الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من رماد النار إلى ولادة الشرق: قراءة في نتائج الحرب واستشراف ملامح الشرق الأوسط الجديد
خالد خليل
2025 / 6 / 27مواضيع وابحاث سياسية
تمهيد:
لم تكن الحرب الأخيرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإسرائيل مجرد جولة صاروخية عابرة، بل كانت لحظة تحوّل مفصلي في بنية الشرق الأوسط الجيوسياسية والأمنية. وبينما أعلن الاحتلال الإسرائيلي في بدايات المواجهة أهدافًا “استراتيجية”، فإن ما تحقق على أرض الواقع لا يعدو كونه سلسلة إخفاقات أمنية وعسكرية ودبلوماسية، كما عبّرت بوضوح المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، السيدة فاطمة مهاجراني، حين قالت إن ما اعتُبر “استراتيجية” تحوّل إلى انكشاف داخلي وانهيار في قدرة الردع الصهيونية.
أولًا: من انهيار الهيبة إلى سقوط الردع
في قلب هذا التحول يقف مشهد واحد: صواريخ إيرانية دقيقة تمر عبر طبقات “القبة الحديدية” المتعددة، وتصل إلى مراكز حساسة في عمق فلسطين المحتلة. ليست الضربة في حجم الخسائر المادية فحسب، بل في رمزية الحدث:
الردع الصهيوني سقط: لأول مرة منذ عقود، يصبح الكيان في موضع من يتلقى الضربات دون قدرة حاسمة على الرد.
الدفاع الأمريكي المرتبك: غابت المظلة الأمريكية كما يُفترض لها، أو تأخرت، أو بدت عاجزة عن السيطرة على مجريات المواجهة.
تحول الرواية: لم يعد بإمكان الإعلام الغربي تصوير “إسرائيل” كمنطقة آمنة وسط بحر من “التهديدات”، بل باتت هي نفسها مهددة، مذعورة، مشتتة بين جبهات مفتوحة.
ثانيًا: إيران وتثبيت معادلة الردع الجديدة
ما برز في تصريحات مهاجراني هو عمق الثقة التي تكتسبها القيادة الإيرانية الآن. فإيران لم تكتفِ بالصمود، بل ثبّتت معادلة ردع جديدة من ثلاث طبقات:
1. العسكرية: قدرة على توجيه ضربات دقيقة وموجّهة تطال عمق “إسرائيل”، بما في ذلك مواقع حساسة.
2. الشعبية والوطنية: كما قالت مهاجراني، فإن الإرادة الوطنية تعززت، وبدلاً من انهيار داخلي، نشهد تجذرًا في مفاهيم السيادة والممانعة.
3. الإقليمية: محور المقاومة بات أكثر تناغمًا، مع استعدادات من حزب الله، وتعبئة يمنية، وحراك شعبي عابر للحدود.
ثالثًا: نتائج الحرب – على المستوى الاستراتيجي
إسرائيل معزولة أكثر من أي وقت: الحلفاء صمتوا، و”التحالفات الإبراهيمية” تراجعت خطوة إلى الوراء.
صعود محور المقاومة: من طهران إلى بيروت، ومن صنعاء إلى بغداد، تتشكل خارطة قوة جديدة تعيد التوازن في الإقليم.
نهاية وهم “الضربة الاستباقية”: لم تعد إسرائيل قادرة على فرض شروطها من خلال القصف المسبق، لأن الكلفة أصبحت باهظة ولا يمكن احتواؤها سياسيًا.
تغيير في العقيدة العسكرية: ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها، لا من حيث التسليح، ولا من حيث الانتشار.
رابعًا: استشراف المستقبل – ولادة شرق أوسط جديد
إن ما نعيشه ليس مجرد هدنة بعد جولة، بل بداية تاريخ جديد للمنطقة، تتغير فيه الأدوار والهويات والنقاط المحورية. يمكن تلخيص ملامح هذا التحول في النقاط التالية:
1. موت مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الأمريكي
النسخة التي كانت تطمح إليها واشنطن، القائمة على تطبيع العلاقات ودمج إسرائيل اقتصاديًا، تبددت تحت صواريخ المقاومة. المشروع الذي أراد تحويل إسرائيل إلى “شرطي المنطقة” انتهى إلى نزع سلاح هذا الشرطي.
2. عودة السيادة كقيمة عليا
البلدان التي صمدت، أو التي دعمت مبدأ المقاومة، تعيد اكتشاف معنى السيادة، بعيدًا عن الارتهان لصندوق النقد أو البنتاغون.
3. نظام إقليمي جديد متعدد الأقطاب
لم تعد أمريكا وإسرائيل وحدهما تصنعان المعادلات. الصين وروسيا وإيران وتركيا وحتى بعض القوى العربية المناهضة للهيمنة، باتت أطرافًا فاعلة في المعادلة الجديدة.
4. نهاية “الحياد”
لم يعد ممكنا لأي دولة أن تبقى في “المنطقة الرمادية”. الحرب الأخيرة فرضت اصطفافًا جديدًا: إما مع سيادة الشعوب، أو مع الاحتلال والهيمنة.
خامسًا: ماذا بعد؟ سيناريوهات مفتوحة
سيناريو المواجهة الكبرى المؤجلة: قد تفرض التطورات تصعيدًا آخر، خاصة إذا عادت إسرائيل لمحاولات الاغتيال أو التوسع.
سيناريو الإنهاك الإسرائيلي: الجبهات الداخلية والخارجية ستشكل عبئًا اقتصاديًا ونفسيًا، قد ينهك البنية السياسية في تل أبيب.
سيناريو الفرصة العربية: هناك فرصة تاريخية لدول عربية ذات سيادة (الجزائر، العراق، سوريا، قطر بدرجة متفاوتة) لإعادة التموضع كقوى توازن ورؤية.
خاتمة:
لقد وُلد الشرق الأوسط الجديد… ولكن لا كما أرادته أمريكا، بل كما خطّته معادلات النار . لم تعد “إسرائيل” محور المعادلة، بل عقدة مهددة. لم تعد واشنطن قائد اللعبة، بل لاعبًا ثانويًا في رقعة معقدة.
في صمت الأنقاض، وفي أزيز الصواريخ، وُلد عهد جديد، لا يُقاس فيه النصر بعدد الطائرات، بل بقدرة الشعوب على استعادة مصيرها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لهذا السبب.. السيسي لن يوافق على لقاء نتنياهو! | #غرفة_الأخب
.. منذ السابع من أكتوبر 2023.. هذه أبرز هجمات الجيش الإسرائيلي
.. مفاتيح دمشق
.. العالم الليلة | أميركا تتخلى عن أوروبا وتنقل معركتها إلى مكا
.. رئيس أركان الجيش الإسرائيلي: الخط الأصفر هو خط دفاعي أمامي ل