الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدين والأفيون الحديث والمعاصر

إياد هديش

2025 / 6 / 28
الارهاب, الحرب والسلام


لم يعد الدين اليوم مجرد "أفيون للشعوب" كما وصفه ماركس مجازًا، بل تحوّل في كثير من السياقات إلى مادة مخدّرة حرفيًا، تُستخدم بوعي كامل من قبل أنظمة وجماعات لا تهدف إلى الإيمان، بل إلى السيطرة.

لطالما اُستخدم الدين تاريخيًا كأداة لإخضاع الوعي الجماعي، وصرف الشعوب عن مقاومة الظلم الاجتماعي والسياسي. لكن في واقعنا الحديث، تجاوز الدين وظيفته الكلاسيكية كوسيلة "تخدير معنوي"، ليغدو وقودًا للعنف، وذريعة لتصفية الآخر، ومسرحًا واسعًا لتبرير القمع والموت، خاصة حين يُنزَع من مجاله الروحي الخاص، ويُزج به في خطاب مغلق، دوغمائي، ومناهض للعقل.

في المجتمعات التي يُهيمن عليها الخطاب الديني المتشدد، يُقمع التفكير النقدي، وتُستبدل الحرية الفردية بالإذعان للجماعة، ويُختزل الإنسان إلى "أداة تنفيذ" تُشحن بالنصوص وتُفرغ في الجريمة. المفارقة المرّة أن كثيرًا من هذه الجماعات، التي ترفع شعارات الطهارة والعفّة، تلجأ إلى المخدرات والمنشّطات الكيميائية لتجنيد الأتباع، وتسهيل ارتكاب أعمال القتل والتفجير والانتحار، حينما تعجز عن إقناع العقول المترددة.

في اللحظة التي يكون فيها العقل يقظًا، تمارس هذه الجماعات إغراقًا نصيًا، وجدالًا لاهوتيًا، ودعاية أخلاقية مزيّفة. أما حين تُخدّر العقول - سواء بالكبتاغون أو بالترامادول أو بجرعة كثيفة من غسل الدماغ - فإن التنفيذ يصبح أكثر سرعة، والعنف أكثر برودة.

ليست هذه حوادث فردية، بل نمط منهجي يظهر في أكثر من منطقة: من العراق وسوريا، إلى نيجيريا واليمن وأفغانستان، تتكرر مشاهد "الاستشهادي" المُجهّز بمادة مخدرة، يُدفَع نحو الهدف كما تُدفع الآلة، بلا تردد، بلا وعي، وبلا أي إحساس إنساني.

المخدر هنا ليس فقط وسيلة لإزالة الخوف، بل أداة لإلغاء الإرادة، وتفريغ الإنسان من أي حس نقدي أو عاطفة حقيقية. إنها وسيلة لتجاوز العقل وتحييده قسرًا، لصالح ما يُسمّى بالعقيدة، التي لا تمتّ بصلة لا للروحانية ولا للإيمان، بل هي مشروع عنف مُغلّف بقداسة زائفة.

إن أخطر ما تكشفه هذه الوقائع هو أن العنف الديني لم يعد نتيجة انفعال أعمى أو تديّن مفرط، بل أصبح مشروعًا هندسيًا يتقاطع فيه النص المحرّف مع المخدرات الكيميائية، والسلطة العقائدية مع تفكيك إنسانية الفرد. نحن أمام "عقيدة تخدير"، لا تلغي حرية التفكير فقط، بل تعيد تشكيل الدماغ نفسه ليخدم سلطة لا تقبل المراجعة، ولا تعترف بالحياة كقيمة.

هذا التواطؤ بين "الإيمان الزائف" و"المخدر" يكشف عن أخطر أنواع الاستعباد العقائدي، حيث لا يصبح الإنسان مجرد تابعٍ فكري، بل رهينة بيولوجية لمزيج من النص المحرّف والمادة السامة. وفي لحظة انعدام الوعي، لا يُطلق الرصاص فقط على الآخرين، بل يُطلق على جوهر الإنسان نفسه: العقل، الإرادة، والكرامة.

وهكذا، يتكشّف أن "الدين أفيون الشعوب" ليس فقط مجازًا ماركسيًا، بل حقيقة دامغة حين يُختطف الدين، وتُحقن الروح، ويُغتال العقل.

وفي هذا السياق، لا تعود عبارة "الدين أفيون الشعوب" مجرد توصيف نقدي قديم، بل تصبح تشخيصًا دقيقًا لعصرٍ يُغتال فيه العقل مرتين: مرة باسم النص، ومرة بالمادة الكيميائية.

ولذلك، فإن مشروع العقل اليوم ليس ترفًا فلسفيًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. فالدفاع عن العقلانية، والتعليم، والحرية، ليس خصومة مع الإيمان، بل هو مقاومة ضد استغلاله وتحويله إلى أداة قمع وعنف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المبعوث الأميركي في زيارة إلى العراق.. هل ينجح في قطع خطوط ا


.. وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يدعمون مسار التفاهم الأمريكي ا




.. جولة الصحافة | الغارديان: التوقعات بقرف فتح مضيق هرمز ساهمت


.. انهيار الردع في الشرق الأوسط.. من يضبط قواعد الاشتباك الجديد




.. قصف روسي واسع على كييف ومدن أوكرانية وسقوط قتلى واندلاع حرائ