الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرقص ليس غريزة... بل بيان حرية

همام قباني

2025 / 6 / 28
الادب والفن


في لحظة موسيقية خالصة، حين يبدأ الجسد في التحرّك بتناغم مع الإيقاع، يُولد شيء أعمق من التسلية، أسمى من الترفيه، وأبعد ما يكون عن الغريزة. إنه الرقص؛ ذاك الفنّ الإنساني الذي يحوّل الجسد إلى أداة تعبير، وإلى قصيدة صامتة تُقرأ بحواس القلب، لا بشهوة العين.

كثيرًا ما يُساء فهم الرقص حين يُنظر إليه بعدسة شهوانية أو سطحية، وكأن حركة الجسد لا تحمل في طيّاتها إلا ما يُثير، لا ما يُفكّر. وفي هذا السياق، أجدني مضطرًا إلى إعادة توجيه البوصلة الأخلاقية والجمالية في النظر إلى هذا الفن، والتمييز الضروري بين الرقص كفنٍّ راقٍ، وبين ما يُنتج داخل مساحات تجارية استهلاكية تُقحم المرأة في دائرة الاستغلال الجسدي والاقتصادي الراقصة، حين تكون فنّانة متخصصة، تؤدي عملًا مركّبًا، فيه من الانضباط ما يشبه الرياضة، ومن الإبداع ما يشبه الرسم، ومن التجلّي ما يُشبه الشعر وحين أُشاهد رقصة ما، لا أرى مجرد جسد يتحرك، بل أرى قصة تُروى بدون كلمات، اقرأ سرديةً صامتة، تحاكي في أدائها طيفًا من العواطف الفرح، الحزن، الحنين، التمرد، والحرية أرى حوارًا بين الحركة والفراغ، بين الموسيقى والزمان، أرى جسدًا يُصغي إلى الإيقاع ويردّ عليه بإحساسٍ عميقٍ وشغفٍ نقيّ.

من المؤسف أن بعضهم، حين يرسل لي مقطع رقص (ريلز)، يسبق تعليقه نظرة فجة تختزل المرأة في جسدٍ مثير يتجاهل تمامًا الأداء، التكنيك، الانسجام، والتعبير العاطفي الدقيق الذي يتطلّب سنوات من التدريب والتأمل هذه النظرة تُفسد التجربة الجمالية، وتختزل الفنّ في إطارٍ غريزيٍّ ضيّق، وكأن الجسد لا يحق له أن يتكلم إلّا بلغة الإغواء.

وأودُّ هنا أن أُفرّق أيضًا بين فنّ الرقص الحقيقي، وبين بعض أشكال الأداء المُستغَل في الملاهي الليلية، حيث يُجبر كثير من النساء على تقديم حركات خالية من التعبير، تحت ضغط اقتصادي أو اجتماعي أو حتى قسري.
لسنّ راقصات بالمعنى الفني، بل هنّ ضحايا لمنظومة اختزلت وجودهن في كائن يُسلّي الآخرين، ويُرضي شهوتهم العابرة مقابل فتاتٍ من الكرامة.حيث ينعدم الخيار وتغيب العدالة فهؤلاء النساء ضحايا، ولسن ممثلات لجوهر الرقص كفن، بل ممثلات لواقع لا بد من فضحه ومواجهته، لا وصم ضحاياه.
من المهم أن نُعيد الاعتبار للرقص كفنّ، وأن نُحرر جسد المرأة من نظرة السوق، ومن تأويلات الذكور التي لا ترى فيه إلا مادة للاستهلاك.
الرقص فنّ حرّ، ويجب أن يبقى كذلك، لا أن يُختطف من معناه الأصلي، ولا أن يُفرّغ من قيمته الإبداعية والروحية فلنعلّم أبناءنا كيف يقدّرون الجمال حين يراه، لا أن يشتهوه فحسب،ولنربّي ذائقتنا على احترام الفنّ، لا على التهام الجسد كون إن الدفاع عن الرقص بوصفه فنًا، هو دفاع عن حرية الجسد وكرامة التعبير، عن حق النساء في أن يُنظر إليهنّ كفنانات لا كسلعة هو معركة ضد العقلية الذكورية التي لا ترى إلا ما يُرضي شهوتها، وضد الجهل الذي يُشوّه كل جميل ويُفرغه من روحه فلنُعد للرقص احترامه، وللراقصات كرامتهن، وللجمال مكانته.فنحن، حين ننحاز للفن الحقيقي، فإننا في الحقيقة ننحاز للحرية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه


.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_




.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن


.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل




.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا