الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الظلال النووية : الصراع الأمريكي الإسرائيلي ضد طموحات إيران تحت خط النار
حمدي سيد محمد محمود
2025 / 6 / 29مواضيع وابحاث سياسية
شهدت الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في التعامل مع الملف النووي الإيراني تحولًا جذريًا بعد الحرب الأخيرة التي اندلعت بين إيران وإسرائيل، وتدخلت فيها الولايات المتحدة بقصف مواقع نووية إيرانية حساسة. هذا التطور لم يكن مجرد رد عسكري محدود، بل عكس تغيرًا جوهريًا في بنية التفكير الاستراتيجي للولايات المتحدة وتل أبيب، حيث جرى تجاوز مرحلة "الردع السياسي" والدبلوماسي إلى منطق "الردع الصلب"، القائم على توجيه ضربات وقائية تهدف إلى تقويض البنية التحتية الحيوية للمشروع النووي الإيراني. لقد أصبحت واشنطن وتل أبيب أكثر اقتناعًا بأن الانتظار أو المراهنة على المفاوضات لم يعد مجديًا، وأن منع إيران من بلوغ نقطة اللاعودة النووية يتطلب تدخلاً عسكريًا دقيقًا واستباقيًا، حتى ولو أدى ذلك إلى تصعيد إقليمي واسع.
إن ما جرى مؤخرًا لا يمكن اعتباره مجرد عمل عسكري منفرد، بل هو تنفيذ عملي لاستراتيجية متكاملة تقوم على استهداف العناصر الفنية واللوجستية للمشروع النووي، بدءًا من منشآت التخصيب إلى وحدات الأبحاث والتطوير، مرورًا بتضييق الخناق على شبكات التهريب والدعم التقني، فضلًا عن تصعيد الحرب السيبرانية وتعطيل المنظومات الذكية المرتبطة بالبرنامج النووي. هذه المقاربة الجديدة تشير إلى رغبة أمريكية إسرائيلية مشتركة في إنهاء المشروع النووي الإيراني من جذوره، وليس فقط تأخيره أو إبطائه.
ورغم شراسة الضربات وحجم التحديات التي فرضتها على طهران، فإن إيران لم تفقد بعد مقومات قدرتها على المضي قدمًا نحو التسلح النووي، فهي لا تزال تحتفظ بما يعرف بـ"القدرة النووية الكامنة"، أي امتلاك المعرفة والخبرة والمخزون الكافي من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يتيح لها في حال اتخاذ القرار السياسي أن تصنع قنبلة نووية في فترة زمنية قصيرة نسبيًا. ومع ذلك، تبقى العقبة الأبرز أمام إيران ليست تقنية، بل تتعلق بالنجاة من منظومة الردع الخارجي، خاصة في ظل الحصار الاقتصادي، والاختراق الاستخباراتي العميق، وفقدان الدعم الدولي. ولعل إيران تدرك أن المضي في التصعيد قد يكون انتحارًا سياسيًا وأمنيًا، ولهذا قد تختار السير على خطى "الغموض النووي" كما فعلت إسرائيل من قبل، أي بلوغ العتبة دون إعلان رسمي.
التحولات الأخيرة في السلوك الأمريكي والإسرائيلي تشير إلى أن الأمر لم يعد مقتصرًا على منع إيران من حيازة السلاح النووي، بل أضحى جزءًا من مشروع أكبر لإعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. فواشنطن وتل أبيب تسعيان إلى تفكيك نفوذ إيران الإقليمي في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وربط أي مسار تفاوضي جديد ليس فقط بالملف النووي، بل أيضًا ببرامج الصواريخ الباليستية والسلوك الإيراني في المنطقة. ويوازي ذلك تعزيز التحالفات الأمنية الإقليمية، وتوسيع مظلة الردع الدفاعي عبر اتفاقيات استراتيجية جديدة مثل "اتفاقات أبراهام"، بهدف تطويق إيران وتحجيم حركتها ونفوذها.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يصبح من الصعب الجزم بمصير الطموحات النووية الإيرانية. فإيران، وإن كانت تمتلك مقومات الرد، إلا أن الضغوط المتعددة قد تدفعها إلى تبني استراتيجية أكثر حذرًا، تقوم على اللعب في المنطقة الرمادية بين القدرة الفعلية والقرار السياسي. لكن، إن لم تنجح الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في الحسم، فقد تجد المنطقة نفسها أمام سباق تسلح نووي مفتوح، تدخله قوى إقليمية كبرى مثل السعودية وتركيا، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة من الفوضى النووية الخطيرة التي يصعب احتواؤها.
بالتالي، فإن الصراع حول البرنامج النووي الإيراني لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبح تعبيرًا عن صراع الإرادات والنفوذ، وصياغة لمستقبل التوازنات الدولية في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة وإسرائيل تراهنان على الوقت والردع المركب، وإيران تراهن على الصبر الاستراتيجي والمناورة، وبين الرهانات المتضادة، تبقى المنطقة مهددة بانفجار لا يمكن التنبؤ بمآلاته.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. العـراق.. هل يـتـوقـف تـراجـع الحـريـات الإعـلامـيـة؟
.. محمود الأفندي: روسيا أسست مع الصين وكوريا الشمالية وإيران حل
.. تحذيرات وتهديدات وتصريحات بانفراج في المفاوضات.. طهران وواشن
.. أزمة هرمز.. هل استطاع ترامب إبعاد الصين عن دعم إيران؟
.. انتخابات كنتاكي تكشف قوة ترمب داخل الحزب الجمهوري الأمريكي