الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العقل في مواجهة المادة: رؤية كانط الأخلاقية في زمن النزعة النفعية
حمدي سيد محمد محمود
2025 / 6 / 29الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
د.حمدي سيد محمد محمود
في قلب الصراع الفلسفي الذي شهدته أوروبا الحديثة، انبثقت رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية كصرخة عقلانية في وجه تصاعد الفلسفات المادية التي اختزلت الإنسان في أبعاده الغريزية والنفعية. ففي الوقت الذي كانت فيه النزعات التجريبية والذرائعية تعيد تعريف الأخلاق باعتبارها مجرد استجابات للمنفعة أو نتائج مرغوبة، قدّم كانط تصورًا أخلاقيًا مناقضًا تمامًا، ينطلق من الإيمان العميق بأن الأخلاق لا يمكن أن تكون رهينة للنتائج أو الرغبات، بل يجب أن تُستمد من العقل الخالص ذاته، لا من التجربة ولا من الانفعال.
كانط لم يرَ في الأخلاق سلوكًا متغيرًا أو قاعدة اجتماعية مرنة، بل اعتبرها قانونًا كونيًا صارمًا يجب أن يلتزم به كل كائن عاقل. إن القيمة الأخلاقية لا تُقاس بنتائج الفعل، بل تُقاس بنيّة الفاعل ومدى احترامه للواجب الذي يفرضه العقل، وهو ما عبّر عنه بمفهومه الثوري: "الأمر المطلق" – ذلك القانون الأخلاقي الذي يصدر عن العقل، ويصلح لأن يكون قاعدة عامة لجميع البشر في كل زمان ومكان. من هنا، تصبح الحرية الأخلاقية ليست تحررًا من القانون، بل خضوعًا طوعيًا له بوصفه تعبيرًا عن جوهر العقل الإنساني.
ورغم أن فلسفة كانط لا تتجاهل واقع الإنسان بكل ما فيه من ضعف، إلا أنها تطمح إلى تأسيس منظومة أخلاقية لا تبرر الانحراف ولا تنحدر إلى النسبية. فالأخلاق، في تصوره، لا يمكن أن تقوم على ما هو عرضي أو شخصي أو منفعي، بل على مبدأ سابق على التجربة، قبلي، يعكس الطبيعة العقلانية المشتركة بين جميع البشر. الإنسان عنده ليس أداة لتحقيق غاية خارجية، بل هو غاية في ذاته، ويجب أن يُعامل كذلك دائمًا. وبهذا يُعيد كانط إلى الأخلاق بعدها الكرامي، الذي يتجاوز الاستخدام والتشييء، ويُكرّس احترام الإنسان بوصفه كائنًا حرًّا وعاقلًا.
لقد مثّلت هذه الرؤية تحديًا جذريًا للفلسفات الأوروبية المادية، مثل النفعية عند بنتام وميل، والتجريبية عند هوبز وهيوم، والتي أسست الأخلاق على اللذة أو المنفعة أو التعاقد الاجتماعي. هؤلاء المفكرون رأوا في الإنسان كائنًا يسعى لتحقيق أقصى قدر من اللذة، ويتهرب من الألم، أما كانط فرأى في الإنسان كائنًا أخلاقيًا في الأساس، قادرًا على تجاوز مصالحه الخاصة من أجل الواجب، وعلى احترام القانون الأخلاقي حتى لو كلّفه ذلك تنازلات أو تضحيات.
إن هذه الفلسفة لا تنفصل عن رؤيته العامة للحداثة، بل تأتي في صلب مشروعه النقدي الذي أراد من خلاله إنقاذ العقل من الوقوع في براثن الحسّ والتجربة وحدهما. فكما حاول في "نقد العقل الخالص" أن يحدّد شروط إمكان المعرفة، حاول في "نقد العقل العملي" أن يحدد شروط إمكان الأخلاق. وفي كليهما، ظل العقل هو السلطة العليا التي تمنح الإنسان مكانته وقيمته. لكن بينما اتجهت الحداثة الأوروبية إلى اختزال الإنسان في البعد الاقتصادي أو الاجتماعي أو البيولوجي، وقف كانط ليُذكّر بأن كرامة الإنسان لا تُقاس بما يملك أو بما يُنتج، بل بما هو عليه: ذات عاقلة، حرّة، ومُلزَمة أخلاقيًا.
اليوم، في ظل ما يشهده العالم من تصاعد النزعات التقنية والنفعية، ومن محاولات مستمرة لتسييل القيم وتحويلها إلى أدوات للهيمنة أو الربح، تبدو دعوة كانط إلى تأسيس الأخلاق على العقل أكثر راهنية من أي وقت مضى. إنها ليست مجرد نظرية فلسفية، بل صرخة وجودية تطالب الإنسان أن يتجاوز واقعه الأداتي، وأن يستعيد صوته الداخلي، ذلك الصوت الذي يُنذره دائمًا: "يجب عليك، لأنك تستطيع". وبين "الواجب" و"الحرية"، ينهض مشروع كانط الأخلاقي كدرع في وجه العدمية الأخلاقية، وكسؤال مفتوح أمام ضمير الإنسان المعاصر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لبنان: موجة نزوح كبيرة إلى صيدا في ظل تواصل القصف في الحنوب
.. مظاهرات في ألبانيا ضد مشروع سياحي مرتبط بجاريد كوشنر وزوجته
.. فرنسا: اتهامات للقضاء بالتقصير في ملف مقتل الطفلة ليانا
.. هل سيواصل حزب الله اعتماد تكتيك استنزاف القوات الإسرائيلية؟
.. ما سياق زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران؟