الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لذلك...اعتذر من الحمير مع تقبيل الحافر والأذنين

خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)

2025 / 6 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


بدايةً، دعوني أقدّم اعتذاري العلني للحمير، تلك الكائنات التي ظُلمت حين أصبحت مجازًا للغباء والضجيج، وهي في حقيقتها أكثر نفعًا وصبرًا من كثيرين اعتلوا خشبة مسرح التواصل الاجتماعي.

على هذه الخشبة الرقمية، حيث كل هاتفٍ يظن نفسه نبيًّا، وكل صامتٍ يأنف الصمت لأنه لا يُشبه جمهور القطيع، يتسابق المتنطّحون إلى إسماعنا نهيقهم، لا ليقولوا شيئًا، بل فقط كي يثبتوا وجودهم في زمن الضجيج. فالمعيار لم يعد الفكر أو الموقف، بل عُلوّ الصوت، وعدد المشاركات، وقوة "الرنّة".

فيا حميريَ الجميلة... سامحيني، فقد أصبحتِ مظلومة حين شُبّه بك من لا يملك صبرك، ولا قوتك، ولا حتى فهمك الصامت العميق للطريق!

من يعلّقون وينتقدون وهم بالكاد يخطّون أسماءهم دون أخطاء إملائية، ثم يقلقون الدنيا بنهيق وشتائم، يُمنحون فجأة لقب "مثقّف"، وتُفتح لهم المنابر، ويُشار إليهم بالبنان وكأنهم أنبياء المراحل الرديئة.

أعتذر من الحمير... حقًا أعتذر.

فما عدنا نفرّق بين الرأي والتفاهة، بين النقد والنباح، بين حرية التعبير وحمّى الإساءة التي لا تعرف وجهًا ولا هدفًا. إنهم ينهقون بلا وعي، ويظنّون أنهم يخوضون معارك فكرية. كل منشور معركة، كل تعليق شتيمة، وكل اختلاف مناسبة لتفريغ عقد التاريخ الشخصي في وجه المارّين بالصدفة.

فيا حميريَ العاقلة... هذا زمانكم، وقد علت أصواتكم حتى ظننّا أن النهيق بات لغة رسمية، وأن الصمت عار، وأن التفكير ترف لا يليق بجمهور المنصة.

عاش النهيق...
أما التفكير، فقد صار تُهمة.

في ركب النهيق المعاصر، تصدّر المشهدَ ما يسمّى بـ"المؤثرين".
لكن يا للحسرة، فمعظمهم لا يؤثّر إلا على نسبة الأدرينالين لدى المتابعين، ولا يحرك إلا غريزة السخرية أو شهوة الاندهاش. يتحدثون عن كل شيء بلا شيء، يفتون في السياسة والدين والتاريخ والجغرافيا وشؤون الكون، دون أن يقرأوا في حياتهم كتابًا من الغلاف إلى الغلاف.

هؤلاء لا يخطرون بسبب أفكارهم — إذ لا يملكون أفكارًا أصلًا — بل بسبب قدرتهم المرعبة على ترداد التفاهة، ونشرها، وتدويرها حتى تُصبح "رأيًا عامًا"، أو "ترندًا". وهنا مكمن الخطر:
فليست الفكرة الغبية أخطر ما في الأمر، بل تكرارها المستمر حتى تبدو مألوفة… ثم طبيعية… ثم صحيحة!

ويأتيك أبطال القطيع، من محترفي إعادة النشر والنسخ واللصق والشتائم الجاهزة. يظنون أنهم جيش الحقيقة وهم مجرد صدى أجوف لنهيق سابق. يغيّرون صورهم كل أسبوع، لكنهم لا يغيرون فكرة واحدة في رؤوسهم. يرددون ما يُقال لهم، يصفقون لأي ناعق، ويسبّون كل من يقول: "مهلًا، فلنفكّر".

أما الكارثة الكبرى فحين تنقلك "الحُمَرنة" من ميدان الأمية إلى ساحات الجامعات.

فها هم بعض حملة الشهادات، يخرجون إلينا من صالات التخرّج بقبعات الماجستير والدكتوراه، لكنهم يحملون في عقولهم نفس نغمة "الجاهل الذي لا يدري أنه جاهل". يتكئون على لقب علمي في جواز سفر، لكنهم لا يعرفون الفرق بين رأي ومعلومة، بين تحليل وهذيان، بين علم وإيديولوجيا ممضوغة.

وهكذا، تتكاثر الحُمَرنة بين من لا يقرأون، ومن يقرؤون ولا يفهمون، ومن يفهمون لكن يصرّون على الركوب فوق الموجة كي لا يغرقوا في العزلة.

وهنا لا يعود الخطر سخرية... بل مصيرًا.

لقد أصبحت هذه الإمعات المجتمعية، من أصحاب الصوت العالي والفكر الواطي، تشكّل ما يُسمّى ظلمًا بـ"الرأي العام".
ويا للمفارقة: الرأي العام لم يعد رأيًا، ولا عامًا... بل صار تكتلًا عشوائيًا من النعيق، يُصفّق لأكثرهم تهريجًا، ويهاجم من يجرؤ على التفكير.

وهكذا تُصاغ الاتجاهات، وتُحدد مصائر الشعوب، لا بقرارات عاقلة ولا بحوارات جادة، بل بتعليقات تافهة على صور "سيلفي"، وبمقاطع مرتجَلة تنال ملايين المشاهدات لأنها ببساطة لا تقول شيئًا.

والكارثة أن كثيرًا من العقلاء انسحبوا، أو التزموا الصمت، أو راحوا يتحدثون همسًا بين بعضهم البعض، كأن الحكمة جريمة، وكأن التفكير رجس من عمل المعارضة.

فألف سلام على كل حمارٍ يعرف حدّه، ويقف حيث يجب، ويؤدي وظيفته النبيلة دون ادّعاء.
وألف لعنة على كل إمعة يرتدي قناع الوعي وهو لا يدري من أين تبدأ الفكرة ولا أين تنتهي الكرامة.

في زمن النهيق العام...
صار الصمت مقاومة.
وصار التفكير فعل شجاعة.
وصار أن تقول "لا" — ولو همسًا — أعلى من كل مكبّرات الجهل.

فلنعتذر من الحمير... ونقاوم كما تستطيع الكرامة أن تقاوم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين هرمز والتخصيب والعقوبات.. كواليس صياغة مذكرة التفاهم الأ


.. موفد الجزيرة يرصد استعدادات المنتخب المغربي في نيوجيرسي لموا




.. ترمب يعلن -اعتذار إيران- لأميركا.. وبوادر انقسام في طهران


.. أميركا: الاتفاق يفتح الباب لسلام طويل.. وإيران: الحرب ستتوقف




.. تمشيط ناري بمحيط مرتفع علي الطاهر ومحاولة تقدم إسرائيلية بات