الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نزيف العملة الصعبة: حين تصبح العمالة الأجنبية عبئًا على الاقتصاد الوطني

عامر عبد رسن

2025 / 7 / 2
الادارة و الاقتصاد


لا يقف أثر العمالة الأجنبية غير المنظَّمة في العراق على البطالة والتأزم الاجتماعي، بل يمتد إلى عمق المالية العامة وبُنية الاقتصاد الكلي. فبحسب تقديرات غير رسمية، تُحوِّل هذه العمالة – من البنغاليين والباكستانيين والسوريين وغيرهم – أكثر من 1.5 مليار دولار سنويًا من العملة الصعبة إلى خارج البلاد، عبر قنوات غير نظامية، بعيدًا عن الرقابة المصرفية العراقية.
ويمثّل هذا الرقم الكبير نزيفًا حادًا في احتياطيات العملة الصعبة، يزيد من استنزاف الدولار داخل السوق المحلية، ولا سيّما في ظل شح السيولة الدولارية والضغوط المتزايدة على نافذة بيع العملة التي يديرها البنك المركزي.
وتتفاقم هذه الإشكالية بفعل أن النسبة الأكبر من هذه العمالة لا تعمل ضمن إطار قانوني، فلا تدفع ضرائب، ولا رسوم إقامة، ولا تخضع لأنظمة التفتيش العمالي أو تسجيلات سوق العمل، ما يجعل الدولة تخسر على ثلاث جبهات:
• فهي من جهة لا تجني منهم إيرادًا أو التزامًا مالياً،
• ومن جهة أخرى، تتحمّل آثار تحويلاتهم المالية المستمرة على استقرار سعر الصرف والسياسة النقدية،
• ومن جهة ثالثة، تزداد مزاحمتهم للعمالة العراقية، خصوصًا في قطاعات البناء والخدمات والمهن اليومية، مما يفاقم من معدلات البطالة المحلية، ويُقلّل من فرص التدريب والتأهيل للقوى العاملة الوطنية.
وهكذا لا تُمثل العمالة الأجنبية غير المنظمة أزمةً اقتصادية فحسب، بل تهديدًا صامتًا لمستقبل السوق العراقي، وعدالة التوزيع الوظيفي، والسيادة الاقتصادية.
وفي حالة العمالة السورية تحديدًا، تتضاعف المشكلة: فإلى جانب النزيف المالي، هناك سياق جيوسياسي خاص مرتبط بحدود مفتوحة، وتراخي تنظيمي، وتحولات داخل سوريا قد تفتح الباب لحلول مرحلية لم تستثمر فيها الدولة العراقية بعد.
إن ترك هذه الأعداد تتضخم بلا سياسة، وبدون أدوات رقابة مالية وقانونية، لا يهدد فقط سوق العمل المحلي، بل يهزّ استقرار النظام الاقتصادي بأكمله. والمطلوب هنا ليس طردًا جماعيًا ولا خطابًا شعبويًا، بل سياسة عقلانية شاملة، تبدأ بالحصر والتنظيم، وتنتهي بوضع العراق أولًا، في ميزان السيادة والاقتصاد.
ففي وقت تتغير فيه طبيعة الاقتصاد العراقي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد خدمي في أطرافه، تشهد البلاد تزايدًا مطردًا في الاعتماد على العمالة الأجنبية، لا سيما في قطاعات البناء والخدمات والزراعة. لكن هذا التزايد يجري في ظل غياب سياسات واضحة أو أطر قانونية فاعلة تنظم الوجود الأجنبي في سوق العمل المحلي، مما خلق بيئة خصبة للعمالة غير النظامية، وفتح الباب واسعًا أمام الاستغلال، التهريب، وانعدام الرقابة.
تُقدّر أعداد السوريين العاملين في العراق اليوم بنحو 300 ألف شخص، يعيش معظمهم خارج نطاق الإقامة القانونية، دون عقود عمل أو حماية اجتماعية، ما يجعلهم في موقع هشّ على المستويين الإنساني والأمني، وفي ذات الوقت يمثّلون ضغطًا متصاعدًا على سوق العمل العراقي، خاصة في ظل تفاقم البطالة في صفوف الشباب والطبقات العاملة.
ومع الانفراج النسبي في الأوضاع السورية بعد سقوط النظام نهاية عام 2024، بات من الضروري طرح السؤال الحرج: هل ما زال استمرار هذا الوجود المبعثر مبرَّرًا؟ أم أن العراق بحاجة إلى سياسة وطنية لتنظيم العمالة الأجنبية بشكل عام، والوجود السوري بشكل خاص، بما يضمن السيادة القانونية، ويحمي كرامة الإنسان العامل، ويصون استقرار المجتمع؟
في المقابل، لا يواجه السوريون في العراق خطابًا عدائيًا كما في بلدان أخرى، لكنهم يواجهون ما هو أخطر: التجاهل التام. تجاهلٌ ينعكس على غياب سياسات حكومية واضحة، وترك ملفهم يتراكم خارج الرؤية المؤسسية، بما يهدد لاحقًا بانفجار اجتماعي أو قانوني يصعب احتواؤه.
ما يُفاقم الأزمة هو أن هذا الوجود غير المنظم ينافس العراقيين في سوق العمل الهش أصلاً، في ظل نسب بطالة مرتفعة، وغياب عقود رسمية تضمن العدالة والمساواة. كما أن ضعف الرقابة والتفتيش العمالي يجعل هؤلاء العمال فريسة سهلة للاستغلال والانتهاك، دون أن يجدوا جهة يلجؤون إليها، أو قانوناً ينصفهم.
السؤال هنا ليس إن كان الوجود السوري عبئًا أو إثراءً، بل إن كان منظَّمًا أو فوضويًا. وفي الحالة العراقية، يبدو أن الدولة – حتى الآن – تركت الباب مفتوحًا لفوضى طويلة الأمد، في غياب خطة وطنية للتعامل مع هذا الملف من منظور إنساني ـ قانوني، يحمي العراق كما يحمي كرامة الإنسان العامل.
هل يحتاج العراق إلى إلى صياغة سياسة وطنية تشمل:
• تسوية قانونية مؤقتة لوضع السوريين في العراق.
• حصر الأعداد الفعلية ومواقع العمل.
• تنظيم تصاريح العمل بالتعاون مع أرباب العمل المحليين.
• وضع آليات عودة طوعية لمن يرغب، بالتعاون مع المنظمات الدولية.
• تعزيز رقابة سوق العمل، ومنع استغلال العمالة غير النظامية.
إن الإبقاء على هذا الملف في منطقة "الظل السياسي" لا يخدم أحداً. بل يجعل العراق بيئة جاذبة للفوضى، ويُضعف من قدرة مؤسساته على السيطرة على ملف حساس، تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع متطلبات حقوق الإنسان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تداعيات الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية وأثرها عل


.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض




.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ


.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار




.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة