الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


غرس الانقسام : كيف أعاق الكيان الصهيوني وحدة الأمة العربية

حمدي سيد محمد محمود

2025 / 7 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


وجود الكيان الإسرائيلي في قلب العالم العربي لا يمثل مجرد قضية احتلال لأرض فلسطينية، بل يشكل في جوهره عائقًا استراتيجيًا أمام أي مشروع نهضوي عربي يسعى إلى الوحدة الشاملة من المحيط إلى الخليج. إن زرع هذا الكيان الاستيطاني في الجغرافيا العربية لم يكن حدثًا عابرًا أو مجرد نتيجة لصراع محلي، بل جاء كترجمة فعلية لمخططات استعمارية هدفت إلى تفتيت العالم العربي وتمزيق نسيجه الجغرافي والبشري، وضرب أحلام وحدته الحضارية والتاريخية، وتكريس حالة التجزئة القومية والسياسية التي تشل طاقاته وتبقيه في حالة من الضعف البنيوي والتبعية المستمرة.

فالكيان الإسرائيلي لا يُقاس أثره فقط بممارساته العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني، بل يتعدى ذلك إلى كونه يمثل رأس حربة للمشروع الغربي الاستعماري في المنطقة. وجوده في قلب العالم العربي هو وجود وظيفي بالأساس، صُمم لخدمة استراتيجيات القوى الكبرى في الحفاظ على توازن مختل لصالح الهيمنة الغربية. إنه بمثابة خنجر جغرافي مزروع في خاصرة العالم العربي، يقسم المشرق عن المغرب، ويحول دون تشكل كتلة عربية متصلة جغرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا. فكيف يمكن تصور وحدة عربية ممتدة من الرباط إلى بغداد في ظل وجود دولة عدوانية مدججة بالسلاح وتتمتع بدعم غير محدود من الغرب وتتبنى أيديولوجية توسعية تستهدف المحيط العربي بأكمله؟

لقد لعب الكيان الإسرائيلي دورًا مباشرًا وغير مباشر في إذكاء الصراعات العربية الداخلية، وإفشال كل مشاريع الوحدة، بل والمشاركة في تفكيك بعض الدول من الداخل عبر دعم الحركات الانفصالية والتنسيق مع قوى إقليمية معادية لأي تقارب عربي. كما أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم على مبدأ "إبقاء العرب في حالة من الانقسام والعجز"، ولذلك لم يكن غريبًا أن تكون إسرائيل من أول المعارضين لأي تقارب بين الدول العربية، أو أي تحرك شعبي أو نخبوي يسعى لبناء مشروع عربي جامع.

ومن جانب آخر، فإن وجود الكيان الإسرائيلي يُضعف الروح القومية العربية، ويزرع الشك واليأس في نفوس الشعوب، إذ يجعل من فكرة الوحدة مجرد حلم بعيد المنال أمام واقع مفروض بقوة السلاح والدعم الغربي. فإسرائيل ليست فقط دولة احتلال، بل هي نموذج مضاد لكل ما تمثله فكرة العروبة: من الوحدة، والاستقلال، والكرامة، والهوية الجامعة. إنها كيان وُجد ليمنع التقاء العرب على كلمة واحدة، ولتكريس واقع التجزئة والتناحر، وتغذية الخوف والارتياب بين الدول العربية.

كما لا يمكن إغفال الأثر النفسي العميق لوجود هذا الكيان في قلب الأمة، فهو لا يثير فقط الغضب الشعبي الدائم، بل يشكل جرحًا مفتوحًا في الوعي العربي الجمعي. وهذا الجرح يمنع تشكل شعور بالأمان والاستقرار اللازم لأي عملية بناء وحدوي حقيقي. فكيف يمكن لشعب أن يبني مستقبله في ظل تهديد دائم، واعتداءات متكررة، واختراقات أمنية وعسكرية مستمرة من قبل عدو زرع بين جنباته؟

إن المشروع الوحدوي العربي لن يُكتب له النجاح ما لم يُعاد النظر في التعامل مع هذا الكيان من منطلق كونه ليس مجرد خصم سياسي، بل عائق حضاري وهيكلي أمام أي مشروع جامع. ولن تنهض الأمة ولا تستعيد قوتها ما دام هذا الجسم الغريب يعتاش على تفككها، ويصنع أمنه من خلال تهديد أمنها. فالوحدة العربية ليست فقط مشروعًا ثقافيًا أو حلمًا نخبويًا، بل ضرورة وجودية، والكيان الإسرائيلي هو العقبة الأشد فتكًا التي زرعت بعناية كي تجهض هذه الضرورة من مهدها.

من هنا، فإن مقاومة هذا الكيان لا ينبغي أن تُختزل في البعد العسكري وحده، بل يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من مشروع تحرري عربي شامل يعيد الاعتبار لفكرة الأمة، ويجعل من إسقاط هذه العقبة شرطًا جوهريًا لاستعادة السيادة الشاملة، وبناء كتلة حضارية موحدة قادرة على الفعل والتأثير في مجرى التاريخ الإنساني من جديد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأمين العام لحزب الله: سقف المفاوضات مع العدو الإسرائيلي هو


.. خارج الصندوق | العراق يعلن -حرب الشرايين الخفية- على داعش




.. مسيرات أوكرانيا تشل حركة إمدادات الوقود في روسيا.. هل تغيرت


.. الاتحاد الأوروبي يحث أطراف النزاع السوداني على التهدئة




.. مذكرة إيران وأميركا تدخل حيز التنفيذ رسميا بعد توقيعها إلكتر