الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التفكير القمري والتفكير الشمسي: قراءة في جدلية الإدراك والتكامل الوجودي
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 7 / 3الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
من المعروف عن ، العقل الإنساني ؛ أنه لم يتخذ مسارًا واحدًا نحو إدراك العالم عبر التاريخ ، بل تنوّع في طرقه وأساليبه ، وقد عبّرت الرموز الكونية الكبرى ، مثل الشمس والقمر ، عن أنماط مختلفة بل وأحياناً متناقضة من الإدراك ، غير أن هذه التناقضات لا تعني القطيعة ، بل هي محاولة تكشف وجود تكاملٍ عميق في قلب التجربة الإنسانية ، وهذه التدوينة ؛ هي محاولة لتفكيك نموذجي التفكير القمري والشمسي بوصفهما بنيتين رمزيّتين للعقل ، ثم أحاول أن أعرض مدى التقاطع والتكامل بينهما ، وصولاً إلى تصور مركب عن "الوعي الكوني" المتوازن ، ليس ذلك النوع من الوعي الذي يتحدث عنه الجاهلون بـ التراثيات الروحية ، بل هو ذلك الوعي الذي يجعل الإنسان منتميًا إلى الوجود ، وفاهمًا له بما هو موجود.
ومنذ بدايات تاريخ الوجود الإنساني على هذه الأرض ، نجد أن الإنسان لجأ دائماً إلى الرموز ، لكي يفهم ما لا يُدركه مباشرةً ، وكان القمر ومعه الشمس ، من أول هذه الرموز في سجل الرموز الإنسانية حول العالم ؛ حيث لم يُنظر إليهما على أنهما مجرد أجرام سماوية ، بل كـ قوى تمثل أنماطًا نفسية و وجودية ؛ حيث نجد أن الشمس تعني النهار ، الوضوح ، الفعل ، العقل الظاهر ، الهيمنة ، بينما القمر يعني ؛ الليل ، وبالتالي الغموض ، لكنه يعني التلقي والإلهام ، اللاوعي ، الحدس ، التحول ، والفكر لا يتحرك في خط واحد ، بل هو حقل من التوترات بين:
- العلاقة بالعالم ، التي تفهم شمسيًا على أنها مجرد محاولة للسيطرة ، تسعى إلى الفهم وإعادة الضبط ، بينما يمكننا فهمها قمريًا على أنها محاولة تهدف إلى التأمل و الإنصهار ، من أجل التفاعل مع الوجود.
- اللغة ، التي تكون من وجهة نظر شمسية ؛ واضحة وسلسة ، تكون مباشرة وجدية في أغلب الأحيان ، ويكون للمنطق الأرسطي السيادة فيها ؛ بينما تكون حسب الرؤية القمرية ؛ رمزية تحاكي الطبيعة وتأخذ من عناصرها رموزاً ، على سبيل المثال اللغة المصرية القديمة ، وتكون شاعرية حيث أنها ترتبط بـ الإنسان وحياته وشخصانيته ، ويكون منطقها منطقًا وجوديًا إنساني ، يستخدم الإمكانات ويعبر عنها بـ التلميحات ، وهذه الطريقة شبيهه بـ إستخدام أهل التصوف للغة في مؤلفاتهم.
- الزمن ، يعبر عنه بطريقة شمسية ؛ على أنه خطي ، يتنقل بين ثلاث محطات ماضٍ ← حاضر ← مستقبل ، ولا يهتم بـ الأحداث إلا في لحظتها ، ويكون صادمًا للإنسان لأنه يصرخ في وجهه قائلاً: عش كل لحظة على أنها الأخيرة! ، أما من الزاوية القمرية ؛ فنجد أن الزمن دائري يبدأ من نقطة وينتهي عندها ، يبدأ من اللاشيء وينتهي في اللاشيء ، إنه زمن تولدي وتكراري يهتم بـ الأحداث ، ويقوم بـ إعادة إحياءها في ميقاتها ، ويكون مركز الإدراك من الناحية الشمسية ، تحليليًا منطقيًا ، لكنه قمريًا يكون أكثر اهتماماً بـ الحدس التأملي ، ورؤية ما لا يرى.
وفي الحضارات القديمة ، كانت الشمس غالباً مقرّ المعبودات العليا (رع في كمت ، أپوللو في اليونان ، شمش في بابل) ، وهي منبع الحياة والنور ، وأول شيء ظهر على سطح نون ، لكنها أيضاً تمثل السلطة ، النظام ، و الوعي اليقظ ، وفي عصر الأنوار (التنوير) ، مثّل العقل هذه "الشمس الجديدة" ؛ حيث نجد أن رينيه ديكارت قد قال جملته الشهيرة: أنا افكر إذن أنا موجود ، ومن سمات العقل في هذه الفترة هو أنه ، عقل تحليلي يستخدم المنهج الرياضي ، ويتحرك بكل آلية وهو التجلي الحديث للفكر الشمسي.
مزايا هذا النوع من الفكر ، هو أنه يهتم بـ الوضوح والتمييز ، ويقوم بـ بناء الأنظمة القانونية والعلمية ، ولديه المقدرة على التفسير والتحليل والسيطرة على المادة ، لكنه أيضاً يقوم بـ فصل الذات عن العالم ، و سرعان ما يتحول هذا الفصل إلى عزل ، ويميل إلى تقليص المعنى إلى ما هو قابل للقياس.
والقمر هو رمز للتحول والحكمة التي تتسم بـ الغموض ؛ حيث القمر لا يملك ضوءًا ذاتيًا ، بل يعكس ، وفي أثناء انعكاسه يتغير ، وهذه الصفات قد جعلت منه رمزاً لـ اللاوعي ، والحكمة الباطنية ، والزمن الدوري والطقوسي ، وفي الفكر الصوفي نجد أن القمر يعد رمزاً للعقل الحدسي ، السكون ، والعمق ، وفي بعض الأساطير نجده دليلاً لهذه النفوس التائهة ، في رحلتها نحو العبور ، ومزايا هذا التفكير هي ؛ التعمق في الذات ، القدرة على قراءة الرموز والمعاني الباطنة ، والقبول بالتحول ، الموت ، والتجدد ، لكنه قد ينزلق نحو الغموض الزائد ، والسلبية ، و الإنغلاق في اللايقين.
• جدلية العلاقة بين التفكير القمري والشمسي:
في الظاهر ، يمثل التفكير الشمسي و القمري تناقضاً ، مما يجعلنا نحكم عليهما بـ الخصام.
لكن ، في الحقيقة ؛ إن أحدهما يسعى إلى السيطرة والفهم ، والآخر إلى الاحتضان والتأمل ، لكن في العمق ، هما قطبا المعادلة الإنسانية ، مثل اليد اليمنى واليسرى ، لا تستقيم تجربة الإنسان إلا بتفاعلهما ، ونجد أن مارتن هايدجر لم يفصل بين الظهور والخفاء ؛ بل اعتبر الوجود منبثقا من العلاقة بينهما ، بينما نجد في مؤلفات ابن عربي ، عندما نتعمق فيها ، أنه يشير إلى أن العقل شمسي في إدراكه ، قمري في تواضعه ، أي يجمع بين النور والوهم ، وبين الوضوح والرمز.
والكون ذاته يُظهر هذا التكامل ؛ حيث لا يمكن أن يوجد النهار دون ليل يعقبه ، ولا يمكن أن يُدرك القمر إلا من خلال ضوء الشمس ، والزمن الكوني يتنفس بالشمس والقمر معًا ، والعلم الحديث شمسي في جوهره ؛ يعتمد على الملاحظة ، التجريب ، و البرهنة ، بينما الدين بطابعه الطقسي ، خاصة التيار الصوفي أو الغنوصي-القمري ؛ يعتمد على الرمز ، الكشف ، والتأمل.
لكنهما في جوهرهما يتكاملان ؛ يحتاج الدين إلى عقل يُنقيه ، ويحتاج العلم إلى روح تُضفي عليه المعنى.
وهذا الأمر نجده متواجداً ، و بـ كثافة في دنيا الإنسان والأدب ؛ حيث الإنسان يحتاج العقل الشمسي لتنظيم حياته ، و تحديد أهدافها ، ويحتاج العقل القمري ليجد معنى عميقًا للوجود ، و ليعيش اللحظة الروحية التي لا تُختزل في وظيفة ، وفي رواية الحياة نجد الإنسان ، عائشًا على انوار أشعة الشمس ، معتمداً البناء ، التحليل ، الشخصية ، بينما في شعرية الوجود ، نجد الشعر قمريًا يلجأ إلى الغموض ، متحصنًا بـ الكثافة الرمزية ، متكلمًا بـ لغة الليل والحلم ، وفي الأدب الكامل المتوازن ، نجد الاثنين ؛ الشكل والتناغم ، الهيكل والمعنى.
الإنسان ، ليس شمسيًا فقط ، ولا قمريًا فقط.
بل هو كائن يحيا على حافة القطبين ، ويكمن النضج في القدرة على التبديل الواعي بين نمطي التفكير ؛ حيث يضيء الأشياء حين يحتاج إلى الفهم ، ويحتضن الغموض حين يحتاج التغيير أو التأمل ، ويدعو فلاسفة ما بعد الحداثة (مثل إدغار موران) إلى عقل مركب ، يجمع التناقضات ، ويحتمل التوتر بين الوضوح والغموض ، بين النظام و الفوضى ، و هذا هو العقل الذي يحمل الشمس في يده اليمنى ، والقمر في اليسرى.
و إن التفكير القمري والشمسي ، ليسا خصمين ، بل هما وجهان لعملة الإدراك الوجودي ، الشمس تعلمنا أن نرى ، والقمر يعلمنا أن نشعر ، الشمس تمنحنا الخريطة ، والقمر يرينا الحلم ، وبين النهار والليل ، يولد الإنسان... عقلًا يتأرجح بين السيطرة والتسليم ، بين السؤال والصمت ، بين التفكير والمعنى...
ولعل أعمق أنواع الوعي ، هو ذاك الذي يعرف متى يفكر كـ الشمس ، ومتى يصمت كـ القمر...
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟
.. استهداف منشآت الطاقة يعمق التصعيد في حرب روسيا على أوكرانيا
.. العاشرة | اعتداءات إيرانية جديدة على دول المنطقة