الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بئر السّاراسين
فتحي البوكاري
كاتب
(Boukari Fethi)
2025 / 7 / 5
الادب والفن
قصّة للكاتب بول أران
نقلها من الفرنسيّة: فتحي البوكاري
حين أُغلقت المسارح، وكان الفراغ أمامي يمتد لخمسة عشر يومًا أو يزيد، علمت مصادفةً أنّ حلق الوادي لا تبعد سوى ستٍّ وثلاثين ساعة بحرًا عن حصن سان جان، لذا قرّرت أن أتوجّه إلى تونس.
قال لي صديقي ماريوس، متنهّداً في استنكار: «فكرة جيّدة، في شهر أوت؟!»
قلت، وأنا أبتسم: «شهر رمضان...»
«نعم! مع اثنين وأربعين درجة في الظل!»
لكنني لم أبالِ بحرّ أوت، فقد اقتادني ماريوس، الخبير ببلاد البربر، إلى صانع قبّعات سبق أن باعه كميات لا تحصى من كرات الخيوط، وجعلني أشتري قبّعة بيضاء من لبّ نبات البلسان، ثمّ قال لي بكل ثقة: « بهذه، يمكنك الآن المشي، دون أن تخشى الشمس وستحظى مع ذلك باحترام العرب.»
وكان محقًا في ذلك، فقد كانت تلك الخوذة عونًا عظيمًا لي، خاصةً خلال رحلة الصيد الأخيرة التي نظّمها راباستول، صديقنا القديم الذي يعيش منعزلا في ظلّ كوخ من القصب الجاف على ساحل خليج صغير ينفتح على البحر.
في تلك الظهيرة، كانت الشمس حارقة، كأنّنا في إفريقيّة على أطراف الصحراء، وكان راباستول يحرّك حساء السمك "البويابيس"، ويسرد لنا قصصًا مدهشة وممتعة عن الأتراك، كما لو كانت من كتب الأساطير.
قال: «تونس؟ ستستمتعون هناك، بالتأكيد، مع هؤلاء الأتراك الطيبين. لطالما كان لدينا نحن، أهل الجنوب الفرنسي، ميلٌ غريبٌ للأتراك!»
وصمت برهة، فلم تسمع سوى صوت اشتعال أكواز الصنوبر، وغليان القدر، وهدير الصخور المجوفة التي تمتلئ وتفرغ مع حركة الأمواج البطيئة.
وحين أصبح الحساء جاهزًا، صبّ في صدف كبير شرائح السمك المذهّبة، ثم أخذ قطعة من العقرب البحري، ورشفة من النبيذ، وواصل حديثه: «الأتراك؟ طيّبون، لا سيّما في الجزائر. كنا أصدقاء لفترة طويلة. ثم، في يوم من الأيام، اختلفنا. كان ذلك بسبب النساء!»
،
قلت له ممازحًا: «ما علاقة النساء بقصف الجزائر واحتلالها؟ لم يكن لهن دور كبير في حادثة المروحة، أو إعلان الحرب، أو قصف الجزائر، أو سقوط الزمالة!»
قهقه وقال: «أنت تتحدّث عن كتب المدارس. أنا أتحدث عنّا، نحن أهالي جنوب فرنسا. نحن كنا قد قطعنا علاقاتنا مع الأتراك منذ سنوات قبل أن يُولد لويس فيليب وعبد القادر!»
وأشار بيده إلى بئرٍ صغير بجانبنا، على طرف الرمال، تكاد مياهه الباردة والمثالية لتبريد النبيذ تلامس الموج: « هل ترون هذا البئر؟ كان يومًا ما البئر الوحيد في قريةٍ صغيرة منتصبة على قمة الرأس، ولم تعد اليوم. كانت النسوة والفتيات ينزلن كلّ مساء لملء جرارهنّ وتبادل الأخبار. لكن الأتراك، بذكائهم، كانوا يعرفون ذلك، فكانوا، كل شهر أو اثنين، يرسلون قاربًا محملًا بالقراصنة، يختبئون خلف الجزيرة، بلا صوت ولا ضجيج. ثم، حين يحين الوقت، ينقضون على البئر، والخناجر بين أسنانهم، يركلون الجرار، ويخطفون النساء والفتيات، ليأخذوهن عبر خليج الأسد، إلى العواصم البربريّة.
في البداية، كان أهل القرية يغضبون. ثم... قبلوا بالأمر الواقع. أتدري لماذا؟
لأنّ النساء المختطفات كنّ يعشن هناك في بحبوحة: يتلقين معاملة حسنة، يلبسن ملابس فاخرة، ويُعطرن بماء الورد، وأحيانًا يُصبحن سلطانات. وهذا كان مصدر فخر للعائلات، إذ أنّهنّ كنّ يرسلن لأقاربهن رسائل مرفقة بقطع نقود تركية، ما سمح للأسر بشراء بساتين الزيتون والكروم. خطف فتاة جميلة كان يعني تقريبًا الثراء!
وكان للأمر مزايا أخرى أيضًا! فقد كانت الفتيات أنفسهنّ يذهبن عن طواعية، والفرحة تغمر الأتراك. من ضاق بها الحال، ومن لم تجد صداقًا، ومن هجرها حبيبها، ومن ملّت زوجها... كلهنّ وجدن في البئر خلاصًا.
في ذلك الوقت، لم تكن هناك نساء مطلقات أو عوانس. لا توجد حاجة للقضاة، أو المحامين، عاش الناس في رضا وانسجام بلا تعقيدات. الأتراك الطيبون كانوا يكفون ويشفون.
ومع الوقت، أصبح البئر مشهورًا. تدفّقت إليه الفتيات من كل صوب ليس من مرسيليا فحسب، وإنّما من كلّ مكان. دائمًا ما كانت هناك امرأة أو فتاة تتسكع وهي تحمل جرّتها، تنتظر الأتراك. حتى أنّ الأتراك ما عادوا يجدون قوارب تكفي!»
وصمت فجأة، أطرق رأسه، ثم رفعه مجددًا وقال بنبرة جادّة: «لكن... كما هو الحال دائمًا، كل شيء يفسد مع الزمن.
ذات يوم، بعد غيابٍ طويل، ظهرت أشرعة بيضاء في الأفق.
– الأتراك! صرخ الجميع.
فاندفعت الفتيات نحو البئر... لكنّ الأتراك لم يأتوا لخطفهن، بل لإرجاع العجائز المخطوفات منذ ثلاثين عامًا!
ثار القرويون ،واندلعت معركة عظيمة قُتل فيها من الأتراك عددٌ كبير، حتّى امتلأ البئر بالجثث، وغُطيت الرمال بالرؤوس والعمائم، إلى درجة بدا فيها الشاطئ كحقلٍ من القرع!
ومنذ ذلك الحين، لم يُرَ الأتراك مجددًا.
رفع ماريوس كأسه وقال: «وللذكرى، صار يُعرف هذا المكان باسم: بئر السّاراسين. لأنّ الأتراك، في زمن أجداد أجدادنا، كانوا يُعرفون أكثر باسم السّاراسين.»
من كتاب "عشرون يوما في تونس"،
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الرئيس السيسي يشهد فيلم تسجيلي بعنوان -الدلتا الجديدة- في فع
.. أنغام بتغني على المسرح بنفس جودة الأستوديو.. شاهد تفاصيل حفل
.. عادل إمام 60 سنة فن..الفنانة لبلبة:مافيش فنان زيه..وكان مهمو
.. مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م
.. تجهيزات ولا أروع لديكور العرض المسرحي -فرايداي-.. المخرج الم