الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أناشيد

خيرالله قاسم المالكي

2025 / 7 / 5
الادب والفن


الراية، الصمت، والإصغاء

من مدينة ساحلية تطل على خليج يمتدّ نحو بحر، ثم ينحني حتى يبلغ المحيط، ويكون جزءًا منه، تبدأ الحكاية. مدينة قديمة مرت عليها كل العصور، وتركت آثارها مدفونةً في السواحل، في أطرافها، في ساحاتها، وفي صحارى ذاكرة لا تجف.
في هذه المدينة، لا أحد يسأل متى تشرق الشمس، ولا متى تتزين السماء بالنجوم. فالكون هنا لا يُحسب بالأوقات، بل بولادات الأسرار… متى تُولَد؟ من أي رحم؟ ومن أي حلم جديد؟

الصمت هو عنوان المدينة الأوّل، وربما الأخير. والإصغاء، وسيلتها الوحيدة لفهم الحاضر، ولتفكيك ما دونته الأجيال، إما شفهًا، أو نقشًا ممدودًا من الأزل.
الساحة المركزيّة بلا اسم دائم؛ كلّ جيل يطلق عليها اسمًا يتناسب مع واقعه، يمحو ما قبله، أو يخبّئه تحته.
فقط الراية لم تتبدّل.
قائمة منذ قرون.
لا أحد يتذكّر من رفعها، أو متى، أو لماذا.

تَرفرف دون رياح.
تُعلن وجودها فوق صمت المدينة، وسط براكين خامدة، وزلازل لا تُبالي إن سمعت.
صوتها لا يُدرَك إلا لمن اعتزل العزف بعد أغنيته الأخيرة.

قال كاهن مسنّ من أهل المعبد، رجل يُعدّ من العباد القلائل الذين فهموا الأسرار:

“هذه الراية… لا تنتمي إلينا.
وُلدت في زمن لم يعرف الدفوف ولا المزامير.
إنما في ما لم تُصغِ إليه بعد.”

صبيّ اقترب منها يومًا، خطوة واحدة فقط، ذابت قدماه كما يذوب الشمع في وعاء جاف.
صرخت فتاةٌ من مكانٍ قريب:

“من لم يُكلّم أمّه في المهد، لا يسمع رفرفة الراية، ولا ما تقول.”

عرف – أو ظنّ أنه عرف – ثم عاد إلى منزله وبكى، كما تبكي أمٌّ فَقدت طفلها الأوّل.

في الطابق العلوي لمحكمة المدينة،
الصمت هو القاضي.
الحارس يفتح القاعة كل مساء، فيدخل ضباب خفيف، كأنه نفس الأرض المخبّأ.
القاضي كريم العينين، لا يطلب يمينًا، بل يُقرّ الحضور بمن لا يتكلم.
وعند سؤاله: هل سيتكلم هذا الصامت يومًا؟
أجاب أحدهم:

“فاقد الفم لا ينطق… بل يترك للعالم أن يتكلّم من سكوته الموحش.”

تحت القاعة، السجناء يبكون،
لكن الصمت فوق رؤوسهم يعجّ بالضوضاء،
كفنارٍ لا يضيء،
لكن الجميع يرى نوره،
في الظلام.

في كوخٍ بلا مدخل،
تعيش امرأة تُدعى “شهيرة”.
ولدت في سنةٍ شحّ فيها المطر وصمت السحاب.
قال والداها:

“هذه، في صباها، ستسمع في الصمت ما لا يُقال.”

تبنّت الصمت مذهبًا، ولم تنطق حتى تجاوزت سنّ اليأس.
عندها فقط، عرفت متى تهاجر الطيور، ومتى تنتحر الغيوم، ومتى يبكي الجنين في رحم أمّه.

في يومٍ غائم، جاءها شيخٌ ممزق الثياب، يسند نفسه على عكاز، يحمل همومه كأنها أكياس ملح فوق ظهره.
قال بصوت مبحوح:

“سئمت حاجتي… أريد شرابًا يشفيني، شيئًا يداوي الألم.”

نظرت إليه شهيرة،
وأشارت له بالجلوس على حجرٍ محفور في زاوية كوخها،
ثم قالت:

“اسمع أنين أمٍّ ثكلى…
فإن سمعته، نلت ضالّتك، وكنت أنت الراية.
وإن أنكرته، فأنت الصمت بعينه.”

فبكى… لا من وجع،
بل لأنه سمع نفسه لأوّل مرّة.

في قاعة فنٍّ تحت الأرض، كانت اللوحات مقلوبة.
لم تُعرض صور، بل أسئلة، معلقة بخيوط لا تُرى.
إحدى هذه الخيوط كانت تمسك برايةٍ يتبدّل لونها كلّما اقتربت منها.

لاحقًا، فُهِم أنّ الراية تُخفي ما في النفوس،
وتُظهره… لمن يجرؤ على الإصغاء.

في زمنٍ مجهول،
وفي عالمٍ مختزل،
اجتمعت الرموز الثلاثة: الراية، الصمت، والإصغاء.

قالت الراية:

“أنا الوجع العالي… أعرف ما لا يُقال.”

قال الصمت:

“أنا المهجور من الجميع، ولا أحتاج الالتزام.”

قال الإصغاء:

“أنا ما يُقال في كلّ صلاة… أنا السُّبوح.”

ثم سكتوا جميعًا…
كصائمين ينتظرون الإفطار








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لشبكتنا عن تأثير ا


.. ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك




.. وفاءً لمسيرته.. مركز عبدالرحمن كانو الثقافي يقيم حفل تأبين ل


.. باحث في العلاقات الدولية: واشنطن تعقد مفاوضات هرمز وتفقد الر




.. الشاعر الشاب منصور جابر منصور المري يشارك بقصيدته في «قدها ج