الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خطورة الجماعات الإسلامية: تهديد مستمر للسلم المجتمعي

داود السلمان

2025 / 7 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يومٌ بعد آخر تتعالى أصوات الجماعات الاسلامية، مرددة شعارات بحكم الاسلام بدل الحكم المدني الذي يدعو للتعايش السلمي، والمساوات بين الناس، ولا فرق بين مواطن وآخر، فالكل يحكمها قانون واحد، ونظام واحد، ولكل مواطن دينه الذي يختاره، ولا دخل للدولة في دين أو معتقد إنسان، فالدين لله والوطن للجميع.
وظهور هذه الجماعات، هدفها شقاق الأمة، وتفكيك وحدة الصف، وشرذمة المجتمع، بغرض السيطرة على ثرواته وخيراته، وزجه في أتون قضايا تقضي على مستقبله، وتشيع بين أفراده الطائفية، والعنصرية، واشاعة روح القاتل والعنف، وهو ما حصل ويحصل اليوم في البلاد العربية، والاسلامية، حتى وصل الأمر إلى بلاد الغرب، وصار الغرب ينظر إلى الاسلام والمسلمين بصفة عامة، إلى إنّ دين مصدر الارهاب.
وتُعدّ هذه الجماعات الإسلامية ظاهرة متجذّرة في الواقع السياسي والاجتماعي للواقع الإسلامي، وقد مثّلت في مراحل مختلفة استجابة لأوضاع سياسية متدهورة، أو رفضًا لأنظمة فاسدة، أو تطلعًا إلى "بديل إسلامي" يُنقذ الأمة من أزماتها المتكررة. لكنّ هذه الجماعات، رغم الشعارات الدينية التي ترفعها، حملت في كثير من الأحيان مشروعا موازيا للدولة، بل في بعض السياقات، مشروعا يناهض الدولة ويقوّض استقرارها، مستبدلًا السلطة القائمة بسلطة "مطلقة" باسم الدين.
وتكمن خطورة هذه الجماعات في اعتمادها فهما أحاديًّا مغلقا للنصوص الدينية، يقدّم تأويلا جامدًا متحجّرًا، لا يفسح المجال للاختلاف أو الاجتهاد. هذا الفهم الأحادي يؤدي بالضرورة إلى تكفير المخالف، لا سيما من لا ينتمي إلى الجماعة، واعتباره خارجًا عن الدين، أو متعاونًا مع "الطاغوت"، وهي التهمة الجاهزة التي تبرّر ممارسة العنف ضده. لقد أعادت هذه الجماعات تشكيل معايير الانتماء والولاء، فصار الانتماء إلى الجماعة أسبق من الانتماء إلى الوطن أو الأمة، وصار الولاء للقيادة مقدّمًا على الولاء للمجتمع أو الدولة.
وإلى جانب ذلك، اعتمدت هذه الجماعات خطابًا شعبويًا عاطفيًا، يستثير الجماهير باسم الدين والهوية والعقيدة، ويغذّي الإحساس بالظلم التاريخي، لكنه في الوقت نفسه يغيّب العقل النقدي، ويمنع التفكير الحر، ويختزل التعقيدات السياسية والاجتماعية في ثنائية مريحة: إسلام وكفر، حق وباطل، نحن وهم. وهذا ما أتاح لها تجنيد الشباب المحبط، خصوصا في المجتمعات التي تعاني من الفقر، والبطالة، والجهل، وضعف التعليم، وتهميش الهوامش الاجتماعية، بل وحتى بعض ممن يحمل شهادة أكاديمية، لكن تنقصهم الثقافة والمعرفة، فهم بمعنى آخر مغرر بهم.
ولعل أخطر ما في هذه الجماعات هو استخدامها العنف وسيلة لتحقيق أهدافها، سواء تمثّل هذا العنف في التفجير والاغتيال، أو في فرض نمط متشدد من التدين بالقوة، أو في تقويض سلطة الدولة من خلال إقامة "إمارات إسلامية" بديلة، كما حدث في عدة بلدان عربية خلال العقدين الأخيرين. العنف لم يكن مجرد وسيلة، بل أصبح جزءًا من بنية الجماعة نفسها، وهو ما جعل هذه الجماعات أقرب إلى التنظيمات المسلحة منها إلى الحركات الدعوية.
لقد ساهمت هذه الجماعات في تشويه صورة الإسلام، وربط الدين بالعنف والإرهاب في أذهان الملايين داخل العالم الإسلامي وخارجه، كما أسهمت في تمزيق المجتمعات، وخلق انقسامات طائفية ومذهبية، واستنزاف الطاقات في صراعات داخلية لا تنتهي. وباسم تطبيق الشريعة، أُهدرت الكرامة الإنسانية، وقُيّدت الحريات، واستُبعدت النساء، وضُيّق على الفنون والآداب والفكر، بل جُرّم الإبداع نفسه.
إن مواجهة هذه الجماعات لا تكون فقط أمنيًا أو عسكريًا، بل لا بد أن تبدأ من إصلاح جذور التخلّف، وتحديث التعليم، وتعزيز الفكر النقدي، وبناء دولة مدنية عادلة تحترم الدين لكنها لا تُخضعه للسياسة، ولا تسمح لأحد باحتكار التحدث باسمه. فلا أحد يملك تفويضًا إلهيًا، ولا جماعة تمثل الإسلام وحدها، والدين أكبر من أن يُختزل في شعارات أو رايات، أو أن يُوظّف في صراع على السلطة.
وفي نهاية المطاف، فإن خطر هذه الجماعات لا يكمن فقط في ما تفعله، بل في ما تتركه من آثار عميقة على الوعي الجمعي، إذ تُضعف الثقة بالمؤسسات، وتُشيع ثقافة الريبة والخوف، وتغلق الأفق أمام أي إمكانية للتقدم. بل هي خطر لأنها تستغل الدين لتُجهض روحه، وتستخدم النصوص لتقويض مقاصدها، وتُلوّح بالجنة لتقود إلى الجحيم. والسبب يمكن من وجهة نظرنا يعود إلى النصوص التراثية، والتي ورثتها هذه الجماعات من تلك النصوص، التي فيها الغث والسمين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا


.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية




.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111


.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر




.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر