الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صُنّاع العراق: نداء إلى الدولة من أجل نهضة العمالة الماهرة ومكافحة بطالة الشباب
عامر عبد رسن
2025 / 7 / 7الادارة و الاقتصاد
في بلادٍ يزخر شبابها بالطاقة والطموح، لكنهم يقفون طويلاً على أعتاب الفرص الموصدة، باتت البطالة أكثر من أزمة اقتصادية؛ إنها قيدٌ ثقيل على الحاضر، وتهديد صامت للمستقبل. فما من دولةٍ يطول فيها انتظار الشباب دون عمل، إلا ويذبل فيها الأمل، وتخور فيها ركائز الاستقرار.
إن استمرار هذا الواقع بلا حلول جذرية، لا يعني فقط ضياع الطاقات، بل هو إيذان بانزلاق المجتمع نحو الاحتقان والتهميش والاضطراب. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية تُعيد تنظيم العلاقة بين المواطن والعمل، وتُؤسّس لنهضةٍ تُبنى بسواعد العراقيين، لا على استيراد الجاهز ولا على اتكال الريع.
وليس من قبيل المبالغة أن نذكّر بحقيقة ديموغرافية صلبة: لقد شهد العراق قبل عشرين عامًا معدلات ولادة سنوية تراوحت بين 600 ألف و800 ألف مولود جديد، ما يعني أن ملايين من أولئك الأطفال أصبحوا اليوم في سنّ العمل، يطرقون أبواب الحياة، ويتطلّعون إلى فرص تُنصف أعمارهم وتعترف بكرامتهم.
فهل تستطيع الدولة، بكل ما تحمله من التزامات وتحديات، أن توظّف كل هذا الزخم البشري في الوظيفة العامة؟ وهل من المنطقي أن نواجه هذا الطوفان السكاني بسياسات التعيين وحدها؟ إن الإجابة تفرض علينا انتقالاً شجاعاً من منطق التوظيف إلى منطق التمكين والإنتاج، ومن انتظار الفرصة إلى صناعتها.
لقد آن للعراق، بوصفه دولة غنية برجاله وثرواته، أن يتحرّر من منطق التوظيف الوهمي وأن يبني استراتيجيته الاقتصادية على أساس العمل المنتج والمهارة المحلية. فما زال آلاف الشباب العراقيين يقفون على الأرصفة بانتظار فرصة، بينما تتدفق العمالة الأجنبية إلى قلب المصافي والحقول النفطية والفنادق الراقية والمطاعم والمشاريع الحيوية، من دون رؤية تحمي حق الوطن في أبنائه.
إنَّ تأخر الدولة في استثمار طاقاتها الشابة لا يعني فقط تفويت فرص للنمو، بل يُشكّل تحديًا حقيقيًا يتطلب التفاتة جادة. فالبطالة حين تطول وتتمادى، تُضعف الثقة، وتُنهك الروح المجتمعية، وتفتح نوافذ القلق على المستقبل. ومن هذا المنطلق، فإن الحاجة الوطنية تستدعي اليوم تبنّي استراتيجية شاملة لتأهيل وتشغيل الشباب المهني، باعتبارها ضرورة تنموية وأمنية في آنٍ معًا، وخطوة مسؤولة نحو ترسيخ الاستقرار، وصناعة اقتصاد أكثر توازنًا وعدالة.
ففي قطاعات حيوية كالنفط والغاز والبتروكيمياويات، لم تعد الغلبة للخبرة العراقية، بل للعمالة الصينية والهندية والفلبينية. وفي السياحة الدينية والفندقة والمطاعم، بات السوري والآسيوي حاضراً، بينما يُهمّش الشاب العراقي لغياب التأهيل والدعم المؤسسي.
نحن اليوم بحاجة إلى إرادة سياسية شجاعة تُعيد ترتيب الأولويات، وتمنح المهنة هيبتها، وتفتح أبواب التمويل والتدريب، وتحوّل الحرفيين الشباب من عاطلين إلى بنّائين للوطن.
نحتاج إلى مشروع يحمل عنوانًا صريحًا: "صُنّاع العراق" – مشروع يعيد صياغة العلاقة بين الشباب والدولة على أساس العطاء لا الاستجداء، والإنتاج لا التوظيف الاتكالي.
وإن من دواعي هذا المقترح الوطني أن العراق، وهو يخوض معركة الاستقرار الاقتصادي، يشهد استنزافًا خفيًا لكنه مؤثر لاحتياطياته من العملة الصعبة، بفعل التحويلات المالية المتزايدة التي تُجريها العمالة الأجنبية، والتي تتجاوز في كثير من الأحيان ما يُعاد استثماره داخل البلاد. فالدولار الذي كان يُفترض أن يُضخ في مشاريع وطنية، أو أن يُعاد تدويره في سوق العمل الداخلي، يغادرنا يوميًا بصمت عبر قنوات التحويل، ليغذّي اقتصادات دول أخرى على حساب شبابنا وعمالنا ومهنيينا. وهذا لا يُعدّ خيارًا تنمويًا فحسب بل ضرورة اقتصادية عاجلة لوقف هذا النزيف، واستعادة التوازن في دورة المال الوطنية، وربط الثروة بالإنتاج المحلي، لا بالاستهلاك المستورد.
إن هذه الاستراتيجية، التي تقوم على خمسة محاور رئيسية – (تبدأ من إصلاح التعليم المهني، وتمر عبر التدريب، والربط مع حاجة سوق العمل، ودعم المشاريع، وتنتهي بحملات التوعية) – إذ يمكن أن تُحدث تحولًا نوعيًا في المشهد الاقتصادي والاجتماعي، وتفتح نافذة أمل حقيقية أمام الشباب في المحافظات كافة.
ولتكن البداية من أعلى الهرم بالدولة وبقرار حاسم، وإرادة واضحة، بوضع أستراتيجية وطنية تهدف إلى رفع كفاءة العمالة العراقية وتدريبها وفقاً لأحدث المعايير الدولية، لكي تكون لائقة لفرص العمل وتليق بالشباب العراقي في الداخل والخارج، وتعزيز مكانة العراق كمصدر إقليمي للكفاءات المهنية المدربة، العراق دولة غنية بالمواهب والكفاءات، فالعراق لا يفتقر إلى المال، بل إلى الثقة بالكفاءة العراقية. ولا يحتاج إلى عمالة وافدة، بقدر حاجته إلى قرار وطني يمنح شبابه فرصتهم في بناء حاضر العراق ومستقبله، نتوجه بهذا المقترح الوطني بقلوب يملؤها الأمل، وأعين شاخصة إلى الغد: أن يكون هذا المشروع حجر الأساس في بناء الدولة المنتجة، والدولة العادلة. فلنعمل معاً على تمكين شباب العراق، ومنحهم الفرصة ليكونوا جزءاً من صناعة الحل، لا ضحايا للمشكلة. فالشعوب التي تنهض، إنما تنهض بسواعد أبنائها، حين تؤمن الدولة بقدرتهم وتفتح لهم أبواب الأمل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه
.. عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة قطر: الأمير الوالد أسس جيلا
.. الميزانية، اقتصاد الحرب.. ما أبرز ما قاله الرئيس ماكرون في خ
.. 375 كيلوغرامًا من الذهب تعود إلى خزائن العراق.. تطور صادم في
.. من الطاقة إلى التنمية.. كيف أعاد الأمير الوالد رسم الاقتصاد