الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مسيحيون عرب...حماة العروبة وحملة روح الاسلام الحضارية
خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي
(Khorshied Nahi Alhussien)
2025 / 7 / 7
مواضيع وابحاث سياسية
في لحظة تعصف بها مشاريع التفرقة، وتهبّ فيها رياح الاصطفاف الطائفي والمذهبي، تبرز الحاجة الملحّة لاستعادة الحقيقة الجوهريّة: أن المسيحيين العرب ليسوا "أقليات" تعيش في ظل أكثرية، بل هم مكوّن أصيل في جسد هذه الأمة، وأحد أعمدتها الثقافية والروحية والحضارية.
فالعروبة التي ننتمي إليها، لا تُختزَل في بعد عرقي أو مذهبي، بل هي حاضن الهوية المشتركة، وهي التعبير التاريخي عن مشروع حضاري جمع المسلمين والمسيحيين على مدى قرون، في سياق من التفاعل والتكامل.
وإذا كانت العروبة في وجداننا لا تنفصل عن رسالة الإسلام الكبرى بوصفه مشروعًا تحرّريًا وقيميًا، فإن هذا الإسلام – الذي ننتسب إليه بإيمان – لا يرى في "الآخر المسيحي" غريبًا عن الحق أو ناقصًا في الإنسانية، بل يوصي به خيرًا، ويكرّمه بالعيش الكريم، ويشركه في حمل أمانة الأرض.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الدور المسيحي في نهضة العرب، ليس مجرد خطاب تسامحي أو دعوة إلى "العيش المشترك"، بل هو تجديد لعهد الشراكة، واعتراف تاريخي بدور مسيحيين تنفّسوا العروبة، وكتبوا بالإسلام روحًا، دون أن يتخلوا عن إيمانهم، ولا عن حبّهم لهذه الأرض التي هي أرضهم كما هي أرض المسلمين.
في هذا المقال، نحاول أن نعيد الاعتبار لهذه الحقيقة: أن المسيحيين العرب، وبالأخص في لبنان والشام، كانوا – وما زالوا – حرّاسًا للغة الضاد، وروّادًا للفكر العربي، ومجاهدين بالكلمة، في معركة الحفاظ على الهوية.
1. اللغة العربية... خدمة من القلب لا من منّة
اللغة ليست فقط أداة تواصل، بل وعاء للهوية، ومستودع للذاكرة. وقد أدرك المسيحيون العرب هذه الحقيقة مبكرًا، فهبّوا لحماية العربية حين كانت مهدّدة بالاندثار أو التهميش، خاصة في مرحلة الهيمنة العثمانية ثم الاستعمار الغربي.
لم يكن صدفة أن تكون أولى المطابع العربية في دير لبناني. ولم يكن مصادفة أن تظهر أولى المعاجم الحديثة على أيدي رجال دين مسيحيين. من بطرس البستاني الذي أصدر "دائرة المعارف" و"محاسن اللغة"، إلى ناصيف اليازجي الذي كرّس حياته لخدمة النحو والبلاغة، إلى إبراهيم اليازجي الذي طوّر اللغة الصحفية بمهارة مدهشة.
هؤلاء لم ينظروا إلى اللغة كأداة دينية إسلامية، بل كأمّ حنون للعرب جميعًا، مسلمين ومسيحيين. حملوها على أكتافهم، ورفعوها إلى مقام الحداثة، من دون أن يفقدوها نكهتها الأصيلة.
2. أدب بنكهة القرآن... وشعر يشبه المآذن
حين تقرأ جبران خليل جبران، أو ميخائيل نعيمة، أو إيليا أبو ماضي، تشعر كأنك أمام صوت ينبض بالروح الصوفية الإسلامية، وإن كان إيمانهم مسيحيًا خالصًا.
لم تكن هذه مصادفة أدبية، بل انعكاسًا لاندماجهم الوجداني في فضاء الإسلام الحضاري. لقد قرأوا القرآن لا ليؤمنوا به كعقيدة، بل ليستلهموا منه بلاغة البيان، وعمق الروح، وثراء اللغة.
شعروا أن هذا الكتاب لا يخص المسلمين وحدهم، بل هو ميراث ثقافي لجميع الناطقين بالعربية، وكنز بياني يثري كل أدب وفكر.
وهكذا، ظهر شعر عربي كتبه مسيحيون، لكنه يُقرأ بنكهة إسلامية: نبرة التوحيد، وحنين الوجود، ولغة الأوابين، كلّها حاضرة بين سطورهم.
في شعر سعيد عقل، الذي لا يُصنّف بسهولة، ترى مزيجًا من المسيحية المشرقية والقرآن، ومن التوراة والحديث، ومن العروبة والقداسة.
هذا التداخل لم يكن تصنّعًا، بل انعكاسًا لهوية مركّبة، شديدة الصدق، لا ترى في الإسلام خطرًا على الإيمان، بل امتدادًا للروح المشرقية العريقة.
3. المسيحيون المشرقيون في حضن الإسلام الحضاري
لم يكن وجود المسيحيين العرب في قلب الحضارة الإسلامية مجرّد "تعايش"، بل تفاعل واندماج خلاق. لم يسكنوا الهوامش، بل صنعوا مع المسلمين متن الثقافة، وكتبوا معها فصول النهضة.
من بيت الحكمة في بغداد إلى حلب ودمشق والقاهرة، كان المسيحيون شركاء في التأليف، والترجمة، والفلسفة، والطب، والفلك.
لم يُسائلهم أحد عن صلاتهم، بل عن إسهامهم.
في ظل الإسلام، لم تُفرض عليهم اللغة، بل أحبوها. لم يُكرهوا على الذوبان، بل كانوا أحرارًا في تعبيرهم، صادقين في ولائهم للثقافة الجديدة التي لم تستعبدهم، بل رحّبت بهم.
كان الإسلام الحضاري جامعًا، يتّسع لمن يحمل قلوبًا مفتوحة وعقولاً مشغولة بحمل المعرفة.
وهكذا، أصبح المسيحيون المشرقيون – خصوصًا في لبنان والشام – أبناءً أوفياء لحضارةٍ إسلامية روحية لم تلغِ مسيحيته، بل أضاءتها بلغةٍ جديدةٍ ورؤيةٍ شاملة.
4. المسيحيون والعروبة: انتماء لا مساومة
ربما لم تعرف العروبة أنصارًا من غير المسلمين أقوى من هؤلاء المسيحيين المشرقيين.
هم لم يعتنقوا العروبة كمجرد ردّ فعل على التتريك أو الاستعمار، بل رأوا فيها إطارًا جامعًا للهويتين: الدينية والقومية.
ففي وجه مشاريع التقسيم الطائفي، رفعوا راية الأمة.
وفي وجه التغريب الثقافي، دافعوا عن الشخصية العربية.
وفي وجه الصهيونية، لم يكونوا محايدين. بل كان بعضهم – كـ جورج حبش ووديع حداد – في مقدّمة الصفوف.
أنطون سعادة – مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي – لم يرَ في العروبة صراعًا دينيًا، بل وحدة جغرافيا وتاريخ وثقافة.
قسطنطين زريق كان من أوائل من نظّروا للهُوية القومية كطريق للنهضة.
شارل مالك، رغم انخراطه في الفلسفة والحقوق الدولية، لم يتنكر لعروبته ولا لروحانية المشرق.
لم تكن العروبة بالنسبة لهم شعارًا، بل حقيقة عميقة، تتجاوز المذهب، والطائفة، واللغة، لتصبح هوية حضارية ناهضة.
5. لبنان: مختبر التنوّع الحضاري لا الصيغة الطائفية
لبنان، كما أراده روّاده من المسيحيين والمسلمين، لم يكن مشروعًا طائفيًا، بل مختبرًا حضاريًا لهوية عربية جامعة.
من بيروت، خرجت صحف النهضة، ومجلات الفكر، ومن جامعاته انطلقت معاجم اللغة، ومن صالوناته الأدبية تفتّحت زهرة الأدب العربي الحديث.
لم يرَ بطرس البستاني أو سعيد عقل أو جبران في لبنان "وطنًا مسيحيًا"، بل مساحة حرة للروح العربية أن تزهر وتبدع.
ولم تكن هويّتهم مبنية على الخوف، بل على الثقة. لم يطلبوا حماية، بل شاركوا في البناء.
ولم يتحدثوا عن "العيش المشترك" كما يتحدث الخائف، بل عاشوا الوحدة كما يعيش العاشق مع محبوبه: بحرية، واختيار، ووعي.
أما الصيغة الطائفية التي تُفرض اليوم تحت ذريعة "طمأنة الأقليات"، فهي ليست من روحهم ولا من فكرهم، بل من صناعة أنظمة مأزومة تسعى لتثبيت حكمها عبر التخويف لا الثقة.
-
6. عندما نعلو فوق الطوائف باسم الهوية الجامعة
آن الأوان أن نكفّ عن الحديث عن "الأقليات" في أوطان هي لنا جميعًا، وعن "العيش المشترك" وكأننا غرباء مضطرون للتسامح.
إن مسيحيي المشرق – في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق – ليسوا ضيوفًا في حضارة الإسلام، بل شركاء في بنائها، وروّاد في نهضتها، ومؤمنون بها كفضاء ثقافي وروحي وحضاري مشترك.
والمسلمون بدورهم، حين يعون هذا البعد العميق، يدركون أن الإسلام لم يكن يومًا طائفة، بل حضارة.
حضارة وسعت الجميع، وجعلت من التنوع مصدر غنى، لا تهديد.
وحدها الهوية العربية الحضارية الجامعة قادرة على جمع ما فرّقته الطوائف، وتوحيد ما مزقته الحدود، وبعث روح جديدة في هذه الأمة التي طال سباتها.
فلنكن أبناء هذا الحلم الكبير، لا عبيدًا لمصطلحات الاستعمار الناعمة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. روسيا تتعرض لأعنف هجوم أوكراني منذ بداية الحرب قبل 4 سنوات..
.. يحدث في غزة: -أحتفل بزفافي وأعرف أن الركام من حولي تحته شهد
.. حرية الصحافة.. قلق عالمي إزاء وضعية الصحفيين في ظل سياسات تك
.. بعد زيارة ترمب للصين.. ما دور بيجين في التصعيد بين طهران ووا
.. رويترز عن مصدر باكستاني: إسلام آباد أرسلت مقترحا إيرانيا معد