الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السياسة حين تتفسخ… والأخلاق حين تُخنق

خالد خليل

2025 / 7 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


من متعة الندب إلى متعة القيامة…

نكتب الآن، لا لأننا نأمل التغيير، بل لأن الصمت صار فعل خيانة.
نكتب، لأن الكلام اليوم مقاومة، ولأن اللغة لا تزال تملك أنيابًا، ولأن الحقيقة – وإن كانت منفية – ما زالت تتنفس في الظلال.


نحن لا نعيش أزمة سياسة. نحن نعيش نهاية السياسة كما كانت تُفهم.
لا برامج، لا رؤى، لا مشروع اجتماعي، لا عقد أخلاقي. ما تبقى يُشبه السياسة كما يُشبه القناع وجهًا.

السياسي اليوم لا يصوغ قدر أمّته، بل يُسوّق بضاعته في مزاد الخوف.
الدولة لا تُدار بمفهوم السيادة، بل تُدار كفرع من شركة أمنية.
والمجتمع لا يُمثل، بل يُستثمر فيه، يُستنزف، يُراقب، ويُعاد تدويره إعلاميًا كسلعة.

ما يجري في أروقة السلطة في العالم العربي والعالمي ليس شأناً عاماً.
إنه مشهد من أوبرا ميتة، ممثلون يرتدون البدلات الفاخرة، يتحدثون عن التنمية، وهم ينهشون اللحم البشري.
يتحدثون عن الأمن القومي، وهم يحمون كراسيهم لا أوطانهم.
يتحدثون عن الإصلاح، وهم لا يُتقنون سوى إعادة إنتاج الخراب.


أما الأخلاق، فقد تم خنقها ببطء.
لم تُقتل بالرصاص، بل بالتطبيع.
تطبيع الظلم، تطبيع الفساد، تطبيع الأكاذيب، تطبيع الاحتلال، تطبيع الانبطاح.

في هذا الزمن، لم يعد الكذب استثناءً سياسيًا، بل صار اللغة الرسمية للمرحلة.
يُقال للناس: أنتم بخير، رغم أن جلودهم تتساقط من الجوع.
يُقال: هناك انتخابات، بينما الفائز معروف.
يُقال: هناك حرية رأي، بينما الحائط يتنصّت عليك.

السلطة صارت مسرحًا بلا نص، والناس كومبارس يُستدعون عند الحاجة، ويُرمون في الزوايا بعد التصفيق.

لكن المأساة الأكبر ليست في الحاكم، بل في المحكوم الذي كفّ عن الغضب.

حين يتعود الناس على المهانة، على السخرية من المعنى، على بيع كراماتهم من أجل كرتونة غذاء،
حين يُصبح الشرف سُبة، والمقاوم خطرًا، والمثقف مهرجًا،
حين يُجري المواطن حساباته على “أقل الضرر”،
فقد دخلنا مرحلة ما بعد الأخلاق: مرحلة اللاجدوى واللاكرامة واللاشعور الجمعي.

نحن لا نحتاج إلى انتخابات، بل إلى بعث ضمير.
لا نحتاج إلى تغيير الحكومات، بل إلى تغيير العقد الإنساني ذاته.


من نلوم؟
هل نلوم الزعيم الذي صار إلهًا؟
أم نلوم الأمة التي صنعت منه تمثالًا ثم عبدته؟
هل نلوم النظام الذي ينهب؟
أم نلوم الصمت العام الذي يُغذيه كل يوم؟
هل نلوم الإعلام الذي يُزيف؟
أم نلومنا لأننا صدّقنا وشاركنا وكررنا الأكذوبة؟

السياسة بلا أخلاق تُنتج مجازر.
والأخلاق بلا سياسة تُنتج عزلةً مقدسة.
لكننا الآن بلا الاثنين.

نحن في عصر “النظام الشبحي” –
لا تعرف من يُقرر، ولا متى تقرر، ولا أين ذهبت القرارات.
كل شيء يُقال… لكن لا شيء يُفعل.
كل شيء يبدو ديمقراطيًا… حتى الاختناق.
كل شيء مغطى بالشعارات… حتى القمع.

حتى اللغة نفسها فقدت معناها.
“حرية” صارت تعني “إياك أن تتكلم”.
“سيادة” تعني “تنسيق أمني”.
“كرامة” تعني “اصبر حتى تموت”.


ماذا نفعل؟
نُكمل في الدوران؟ نُصالح أنفسنا مع القبح؟
أم نصرخ – ولو وحدنا – في وجه الزيف؟

المرحلة اليوم لا تتطلب مشاريع سياسية، بل فعلًا تأسيسيًا جديدًا.
نحتاج إلى إعلان سقوط كل ما بُني.
نحتاج إلى الاعتراف: أننا شاركنا، صمتنا، صدّقنا، بل زغردنا أحيانًا حين سُحقت الحقيقة.

لكن بعد هذا الاعتراف، يأتي الدور الحقيقي:

أن نُعيد صياغة مفهوم السياسة بوصفها رعاية الخير العام، لا رعاية المصالح.
وأن نُعيد بناء الأخلاق بوصفها موقفًا لا موعظة، وفعلاً لا شِعارًا.
وأن نعيد للإنسان تعريفه: لا كمستهلك، ولا كمواطن، بل ككائن حر، يحيا بالكرامة أو لا يحيا.


هذا المقال ليس دعوة للثورة، بل لليقظة الكبرى.
الثورات قد تُخطَف، أما الوعي فلا يُسرَق.
ولا خلاص قبل أن نواجه أنفسنا:
بلا أقنعة، بلا شعارات، بلا تمنيات كاذبة.

السياسة حين تنفصل عن الأخلاق تُصبح سكينًا.
والأخلاق حين تنفصل عن السياسة تصبح بكاءً فارغًا.

لكن حين يلتقيان في لحظة صدق، تنبثق الشعوب من قبورها، وتكتب التاريخ من جديد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عودة المها العربي… من الشومري إلى براري الأردن، رمزية وطنية


.. هجمات متزامنة في تدمر وإدلب… ماذا يجري أمنيا في سوريا؟ | #ال




.. شبكات| سوري الأصل.. من هو أحمد الأحمد الذي أوقف هجوم سيدني؟


.. مراسل الجزيرة: قصف مدفعي مكثف داخل مناطق انتشار القوات الإسر




.. قريب الأحمد الذي انتزع سلاح أحد مهاجمي سيدني يتحدث عن وضعه ا