الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


البيان القومي الوجودي الإنساني: رؤية فلسفية في جدلية الهوية والكونية

عزالدين محمد ابوبكر

2025 / 7 / 8
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


منذ أن انتصب الإنسان وخطى نحو المجهول ، ظل الإنسان موزعاً بين انتماءاته الأولية (البيت ، القبيلة) ، و انفتاحه نحو الكل الإنساني بوصفه كائناً عاقلاً مشتركاً في الطبيعة والوجود ، ومن هذا التوتر الوجودي بين المحلي والعالمي ، نشأت ثنائية التفكير القومي والتفكير الإنساني ، كـ قوتين متصارعتين ومتكاملتين في آن ، تهدفان إلى فهم الذات وتحديد علاقتها بـ الآخر ، و هذا المقال يحاول معالجة هذه الثنائية من منظور فلسفي ، و يناقش جدلية الهوية والكونية ، و يسعى إلى إعادة الصورة الحضارية السليمة ، إلى الإنسان المصري الذي حاول الإستعمار الثقافي ، بـ الإضافة إلى الأزمات العالمية تفكيك هويته ، و تدمير تاريخيته ، و هذا المقال هو محاولة من الكاتب ، لتنظيم آراء من يسمون أنفسهم بـ الكمتيين.

قبل أي شيء ، يجب التنويه بأن التفكير القومي ، هو تفكير مبني على افتراض وجود "أمة" تمتلك خصائص مشتركة من لغة ، تاريخ ، ثقافة ، و ربما عِرق ، و ينادي هذا التفكير بمنح الشعوب هوية جمعية ، و يوفر لها إطاراً معنوياً للمقاومة والتحرر من الإستعمار والهيمنة ، لكن قصور هذا النوع من التفكير تكمن في ، تحول ما هو قومي إلى ما هو إقصائي ؛ حيث أن القيم القومية قد تعلوا في بعض الأحيان ، على القيم الإنسانية ، مما قد يفضي أحياناً إلى الشيوفينية أو حتى الفاشية ، لذا وجب الحذر و الإنتباه عند استخدام مصطلحات ، من قبيل مصطلح قومي.

أما التفكير الإنساني ، فهو تيار فكري وأخلاقي يرى في الإنسان قيمة عليا بصرف النظر عن جنسه ، قوميته ، دينه ، أو حتى طبقته الإجتماعية ، و تعود جذور هذا التيار إلى التفكير السابق للفلسفة اليونانية ، الكامن و المتواجد في نصوص التراثيات الشرقية ، لكن تأسس هذا التفكير ، على أصول فلسفية يونانية ، ثم تطور في عصر التنوير مع فلاسفة عظماء ، مثل كانط الذي نادى بـ "الحرية" ، "الحق الكوني" ، و "الواجب الأخلاقي المطلق" ، و الفكر الإنساني يحاول إقامة أخلاق كونية لا تميز بين البشر ، لكن هذه النزعة قد تصطدم بالواقع السياسي و الاختلافات الثقافية ، مما يجعل بعض مفكري ما بعد الإستعمار (و على رأسهم العلامة إدوارد سعيد) يرون في الكونية ستارًا للهيمنة الغربية ، كل ما سبق جميل ، لكن المعضلة تكمن في الفكر الإنساني أنه قد يقع في نزعة تسطيح للفوارق الحضارية ، فيسعى لتوحيد التجربة البشرية على حساب خصوصية الشعوب ، فتصبح "الإنسانية" أحياناً مجازاً ثقافياً لقيم "المركزية الغربية"!

لكن هل هناك تناقض (ديالكتيكي) بين القومي والإنساني؟
الجواب فلسفيًا: ليس بالضرورة ، لأن الفكر القومي والإنساني ليسا خصمين ، بل مستويين مختلفين من الوعي ؛ حيث الفكر القومي يتعامل مع الهوية والتاريخ و الإنتماء ، بينما الفكر الإنساني يتعامل مع الأخلاق والكرامة والحرية ، و مقالنا هذا يسعى إلى إقامة تكامل ممكن بين القومي والإنساني ، حيث إن التفكير القومي الناضج لا يعادي القيم الإنسانية ، بل ينطلق منها ، لكي يؤكد على خصوصيته دون العدوان على الآخر ، وكذلك ، فإن الفكر الإنساني الحقيقي لا يذيب الخصوصيات ، بل يعترف بها كـ جزء من ثراء التجربة البشرية ، و كما قال مالك بن نبي: "لا يمكن أن نكون إنسانيين حقًا ، إن لم نكن وطنيين صادقين أولاً" ، و أقولها اليوم: "لن نكون إنسانيين ، إن لم نعرف هويتنا ونقول أننا مصريين".

إن الأزمة ليست في القومية ، ولا في الكونية ، بل في التفكير الأحادي الذي يفصل بينهما قسراً ، و المطلوب اليوم هو تجاوز الثنائية نحو رؤية أكثر تركيبًا ؛ حيث تفهم الهوية القومية كـ منصة نحو الإسهام في المشروع الإنساني الأوسع ، لا كـ حصن ضده ، وفي النهاية ، تظل كرامة الإنسان هي الأصل ، و الهوية وسيلة ، لا غاية ، و الفكر الفلسفي يدعونا دائماً لأن نوازن بين الخصوصية والتعدد ، و الذات والغير ، و الحق والحقيقة.

و السبب وراء قيامي بكتابة هذا المقال ، هو رؤيتي لعدد من المنشورات التي تناصر أو تناهض ما يُعرف بـ الكمتية ، لكن ما المقصود بـ الكمتية؟ ، هل هو مجرد انتماء الفرد إلى مصر ، وجوداً وفكراً و وجدانًا؟ ، هنا نجد كل الإجابات تنزح نحو الإيجاب ، لأن هذا السؤال به شيء من الحقيقة ، لكن منذ عدة سنوات ظهرت الكثير من التيارات الروحية المعاصرة ، التي تحاول إحياء العقائد المصرية القديمة ، مع ادعائهم بـ أنهم كمتيون ، لكن الكمتية من وجهة نظري لا تحاول إحياء المعتقدات الدينية ، بل هي تسعى لإحياء الأفكار المصرية ، التي تفيدنا في عالمنا المادي ؛ حيث تعلمنا الإصرار ، و حب العمل ، و احترام الأفكار.

لكن لاحظت ، أن القومية تاريخياً تبدأ كـ احتفاء بالذات ، لكنها تنتهي في بعض الأحيان بصورة متطرفة كـ نفي للآخر ، و القومية كثيراً ما تسحق الفرد بإسم "مصلحة الأمة" ؛ لكن قوميتنا نحن المصريين ، هي قومية-إنسانية تحترم الفرد و الجماعة ، و يجب أن يكون كل قومي مرحباً بالنقد محتضناً للخلاف ؛ حيث أن الفكر القومي قد يصبح مشاهداً لأي نقد ، كـ خيانة للجماعة ، لكن القومية الإنسانية ترى هذا النقد كـ محاولة لـ إعادة البناء من أجل التحسين ، أما الغاية هي: حب الوطن ، الاعتزاز بـ التاريخ ، إحترام الفرد والجماعة ، تقبل السرديات النقدية ، و الإهتمام بـ الهوية الحضارية لمصر ، و القومية-الإنسانية-المصرية ، هي فكر مؤمن بـ الهوية الوطنية دون أي إقصاء ، وهي منفتحة دائماً وأبدأ على الإنسانية.

و الفرد لا يكون أحادي الإنتماء ؛ حيث يمكن أن يكون: مصرياً ، عربياً ، إفريقياً ، إنسانياً ، مسلماً أو مسيحياً دون أن يتهم بـ ازدواجية الولاء* ، ويمكن أن يكون لا دينياً أو ملحداً ، و الهوية الحقيقية ليست جدارًا نفصل به أنفسنا عن الآخرين ، بل جسر نمده نحوهم ، و الاعتزاز الثقافي لا يتناقض مع الانفتاح الإنساني ، بل يحتاجه ، و تذكر دائماً أن كل أمة لها نورها وظلها ؛ حيث لا توجد أمة بلا مجد ، ولا توجد أمة بلا مآسي ، و إن الاعتزاز الصادق يبدأ من إقرارنا بهذا التوازن ، و لهذا علينا قراءة تاريخنا لنفهم من نحن ، و من يعتز بهويته بصدق ، لا يصرخ لكي يثبتها ، و لا يحتاج أن يهين الآخرين ليرفع نفسه ، و عليه أن يكون واثق بما يكفي ليصغي ، و يناقش ، و يحتفل بـ الاختلاف ، و تذكر أن كل حضارة أضافت شيئاً للعالم ، وكل أمة شاركت في بناء الإنسانية ، و اعتزازك بتاريخك لا يلغي اعترافك بتاريخ غيرك ، و نحن نعتز بهويتنا ، و نخدمها بالعلم ، و الإبداع ، و العدل ، و لقد ورثنا مجد أجدادنا ، لا لنتكبر ، بل لنواصل البناء.

أما عن كيف نكون معتزيين بلا شوفينية؟
فيمكننا فعل هذا ، بواسطة هذه القواعد الخمسة:
1- نحب هويتنا دون كراهية أحد.
2- نحتفل بتاريخنا دون أن نقدسه.
3- نروي أمجادنا دون إنكار إخفاقاتنا.
4- نكون وطنيين دون أن نصبح عنصريين.
5- نفتح أبواب الهوية ، بدلاً من أن نغلقها.
و تذكر أن اعتزازك بتاريخك لا يلغي اعترافك بتاريخ غيرك.

- البيان الكمتي: من أجل نهضة إنسانية قومية مصرية.
"الماعت لا تموت ، طالما في الأرض ضمير"

نحن الموقعين على هذا البيان : .... ، .... ، ....
ندعو إلى بعث مشروع قومي-إنساني متجذر في أرض مصر ، يستلهم روحها العميقة ، لا كـ أثر في المتاحف ، بل كـ قيمة حية تهدف إلى تحرير الإنسان ، و تحقيق العدالة ، و إعادة بناء الذات المصرية على أسس فكرية ، أخلاقية ، و كونية.

نعلن أن مصر ليست جغرافياً فحسب ، ولا جنسية بالمعنى الإداري ، بل هي:
• وعي حضاري ممتد من وادي النيل إلى ضمير كل إنسان مصري.
• مشروع أخلاقي ينهض على قيم الماعت (العدالة ، الحق ، النظام ، التوازن).
• تجربة روحية وثقافية جمعت تعدداً فريداً عبر القرون: الكمتية (مچرية/مصرية) ، متوسطية ، قبطية ، إسلامية ، إنسانية.

- نسعى إلى العودة إلى "ماعت" : منظومة القيم المصرية القديمة ؛ من أجل استعادة "ماعت" لا كـ طقس ماضٍ ، بل كـ فلسفة إنسانية حية ، تقوم على:
• الحق ضد الظلم.
• النظام ضد الفوضى.
• التواضع ضد الغطرسة.
• احترام الآخر لا استبعاده.
• المركزية للإنسانية ، لا المركزية لـ اللا-إنسانية.

- ونحن نحترم الأديان ، و نرى أنها جوهر مدنيتنا.
ونؤمن بـ أن:
• الدين خيار روحي مقدس لا مجال للتسلط فيه.
• الفكر حرية أصيلة لا يصادرها حكم أو طائفة.
• الاختلاف مصدر قوة ، لا فتنة.

نستلهم من أجدادنا الذين عاشوا قروناً ، و هم يبنون المعابد ، التي بنيت بداخلها الكنائس في وقتٍ لاحق ، و الكنائس إلى جانب المساجد ، دون أي صراع وجودي.

- الإنسان هو الغاية
حيث أننا نضع الإنسان المصري ، كرامته ، صحته ، تعليمه ، و حريته ، في صلب كل مشروع قومي.
فلا قيمة لوطن لا يحرر مواطنيه من الجهل والفقر والقمع.
ولا معنى لهوية تبنى على سحق الأفراد باسم الجماعة.

- مشروعنا القومي: الوعي ، لا الهيمنة.
ليست دعوتنا إلى القومية المصرية دعوة للإنعزال أو التفاخر ، بل:
• وعي بالذات في وجه التبعية.
• بعث للقيم الأخلاقية القديمة في مجتمع حديث.
• تجديد للهوية دون إنكار الدين أو الحداثة.

- المبادئ الأساسية للبيان الكمتي:
1- مصر هي الغاية والمراد ، والإنسان فوق الشعارات.
2- الكرامة لا تُجزأ ، والعدل لا يؤجل.
3- الهوية تتجدد ، ولا تتكلس.
4- لا وطن دون حرية ، ولا نهضة دون معرفة.
5- نحترم الأديان ونرفض تسييسها.
6- ندافع عن كل مصري ، أياً كان دينه ، أو فكره ، او لونه ، أو طبقة انتمائه.

ندعو كل من يؤمن بمصر كـ "رسالة حضارية" لا كـ حدود فقط ، وكل من يرى في الإنسان القيمة الأعلى ، وكل من يطمح إلى وطن حر وعادل ومستقل ، إلى أن ينضم إلى هذا المشروع القومي الإنساني الكمتي.

"لن نعود إلى الماضي ، بل سنجعل الماضي يعود إلينا بروحه وعدله ونوره"








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي


.. أمريكا وإيران.. تصعيد ميداني في قلب مسار دبلوماسي




.. تصعيد ليلي جديد.. سلسلة انفجارات تهز المواقع الاستراتيجية في


.. خارج الصندوق | البند الخامس ينسف مذكرة التفاهم.. سر تصاعد أز




.. خارج الصندوق | ينتظر موافقة إيران.. تفاصيل المقترح العماني ل