الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التكويع: فلسفة لبنانية ساخرة

خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)

2025 / 7 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


المعنى اللغوي للتكويع

مصطلح "التكويع" مشتق من كلمة "كوع"، أي ذاك المفصل المتواضع الذي وهبته الطبيعة وظيفة الالتواء، فاستعاره الإنسان الشرقي لأغراض أسمى بكثير: النجاة من المواقف الحرجة وتغيير الولاءات دون أن يرفّ له جفن.
في اللهجة اللبنانية والسورية، "كَوّع" تعني "لفّ"، و"كَوَّع" تعني "خان بس بأدب"، أما "كَوَّع مرتين" فهي رتبة سامية تُمنح لمن أدار ظهره لتحالفين متناقضين في أسبوع واحد.

هذا الاستخدام اللغوي تجاوز حدوده الجغرافية وصار يُدرَّس في معاهد المرونة السياسية، حيث يكون الكوع هو وحدة القياس الرسمية للثبات... الملتوي.




التكويع كفن لبناني أصيل

في لبنان، التكويع ليس فقط فعلًا يوميًا، بل هو حرفة وطنية، يتم تداولها في الأسواق السياسية مثل عملة غير مستقرة.

النائب "الشاطر" لا يمثل منطقة، بل يمثل آخر استطلاع رأي.

الزعيم "الفهلوي" لا يلتزم بموقف، بل يلتزم بمنصّة يُصفّق فيها الجمهور الأعلى صوتًا.

والمثقف "المتكيّف" لا يقرأ الواقع، بل يقرأ البيانات الحزبية كما تُقرأ النشرة الجوية: "انقلاب منخفض... مع احتمال تبدل في الكوع منتصف الأسبوع".





التكويع كأداة للصعود

في لبنان، لا تصعد إلى السلطة بالسلالم، بل بالكوع.

الوزير السابق يكوع نحو حليف الأمس ليعانق خصمه "من باب الحكمة".

الإعلامي يكوع في الاستوديو، ثم يكوع على تويتر، ثم يكوع أمام المموّل، حتى يصبح مثل حبة الزيتون… مخلّلة بالانحناءات.

أما الناخب؟ فهو يكوع كل أربع سنوات إلى صندوق الاقتراع ليُعيد انتخاب من كوع عليهم طوال الفترة السابقة.

فلسفة "الكوع المتنوّر"

الكوع في لبنان ليس علامة ضعف، بل تعبير متقدّم عن "الذكاء التكيّفي"، أشبه بالحرباء لكن مع ضمير سياسي خامل.
اللبناني الشاطر يفلسف الكوع على الشكل التالي:

> "أنا ما كَوّعت، أنا طوّرت موقفي تماشياً مع الديناميكية الإقليمية!"

"أنا مش منافق، أنا واقعي… والمواقف مش قرآن!"

"أنا ما بدّي أضلّني بعناد أعمى، أنا **منفتح على كل الاحتمالات… خاصة اللي فيها منصب!"

"ما كَوّعت، بس وعيت… متأخر شوي، بس وعي مهم!"



وهكذا، يتحوّل الكوع إلى فلسفة قائمة بذاتها، تُبرِّر وتُزيّن وتُقنّن الانحناء… بل ترفعه إلى مرتبة "التحوّل الواعي"، وكأن الانبطاح صار خيارًا نبيلاً.


بطاقة تعريف الكوع اللبناني

الاسم الكامل: الكوع اللبناني المتنقل
النوع: مرن / متلائم / قابل للتعديل حسب المزاج العام
مكان الولادة: بين طاولة الزعامة وسقف المصلحة
الحالة السياسية: دائم الانعطاف، غير مستقر
الانتماء: إلى حيث تكون الريح أقوى
الهوايات: تبديل التحالفات، تبرير التناقضات، جمع المكاسب من كل الجهات
المهنة: مستشار استراتيجي في مدرسة "كيف تكون كل شيء ولا شيء في نفس الوقت"
الشعار المفضل: "ما كَوّعت… بس عرفت وين مصلحتي"
اللقب الشعبي: أبو اللفات
الهجرة المحتملة: إلى أي محور دافئ سياسياً واقتصادياً
الطموح المستقبلي: حقيبة وزارية… أو على الأقل مقعد بلدي مع صورة كبيرة على "البانر"

قاموس الكوعيات اللبنانية


كوع سريع

التعريف: انعطافة سياسية مفاجئة بدون إشارات.
الاستخدام: "كان ضدّهم ونام عندهم بنفس الليلة… كوع سريع محترف!"




كوع مُموّه

التعريف: التفاف ناعم يتم عبر خطاب رمادي وغامض، حيث لا يفهم أحد إن كان كوعًا أم تمطيطًا لفظيًا.
الاستخدام: "مش واضح إذا كَوّع ولا عم بيمهّد للكوع… بس الريحة باينة."




كوع نطّاط

التعريف: كوع يقفز فوق كل المعسكرات دفعة واحدة، وغالبًا يعود من حيث بدأ.
الاستخدام: "صار مع المقاومة، ضدها، مع الثورة، ضدها، وبالآخر مع الله… كوع نطّاط بيطير العقل!"




كوع مجمّد

التعريف: موقف ملتوي بس متجمّد مؤقتًا بانتظار نتيجة الانتخابات أو انفجار البلد.
الاستخدام: "حالياً ساكت… بس متوقعين كوع كبير بعد النتيجة."




كوع استباقي

التعريف: التفاف وقائي قبل أن تتغيّر المعادلة، يُنفَّذ بناءً على "إشاعات داخلية".
الاستخدام: "كَوّع قبل ما يصير شي… حاسسها بجلده!"



كوع وظيفي

التعريف: كوع يتم للحصول على منصب، عقد، أو كرت سفر.
الاستخدام: "ما حدا بيكوع هيك ببلاش… أكيد في وظيفة ناطرتو!"



كوع زاحف

التعريف: تغيّر تدريجي ماكر، يتم على مراحل بطيئة بحيث لا يشعر به أحد إلا بعد حدوثه.
الاستخدام: "هيدا مش كوع… هيدا زحف تكتيكي متقن!"




كوع دائري

التعريف: من كثر ما كَوّع، رجع لنقطة الصفر.
الاستخدام: "صار مع الثورة، ضد الثورة، مع الحراك، ضد الحراك، وبالأخير رجع لعند الزعيم… كوع دائري نموذجي."


كوع استعراضي

التعريف: كوع يتم على المسرح الإعلامي، مصحوب بمؤتمرات صحافية وتصريحات عاطفية.
الاستخدام: "كَوّع لايف على التلفزيون، مع دمعة بالزاوية… مسرح كبير!"



في لبنان، التكويع موهبة… والكوع فن قائم بذاته.
إذا لم تتمكن من المشي مستقيمًا، على الأقل تعلم كيف تكوع بأناقة!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. للمرة الأولى منذ الحرب الضارية بين الحركتين: حماس تسمح بتنظي


.. الحرب في إيران : دول الخليج ومأزق التوازنات • فرانس 24 / FRA




.. تل أبيب تقترح تنسيقا أمنيا مع بيروت لتطهير معاقل حزب الله..


.. قمة شي-ترامب: روايتان غير متطابقتين.. فهل من اتفاق فعلي حول




.. العراق: -من دون الوزارات الأهم- حكومة الزيدي تحصل على ثقة ال