الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فرصة استراتيجية عبر الأطلسي: دعوة اقتصادية من الرئيس الأمريكي للعراق

عامر عبد رسن

2025 / 7 / 10
الادارة و الاقتصاد


في رسالة رسمية وجّهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى دولة رئيس وزراء العراق، أعلن فيها عن رفع الرسوم الجمركية على البضائع العراقية المصدّرة إلى الولايات المتحدة بنسبة 30%، معبّرًا في الوقت ذاته عن رغبة إدارته في أن يفتح العراق مصانع إنتاج داخل الأراضي
الأمريكية، وأن يفتح أسواقه أمام السلع الأمريكية.
ورغم الطابع الحمائي لهذا القرار، إلا أن القراءة الدقيقة للرسالة تكشف عن فرصة ثمينة ينبغي للعراق أن يلتقطها بذكاء استراتيجي، إذ تعبّر الرسالة عن انفتاح سياسي واقتصادي غير مسبوق من الإدارة الأمريكية على التعاون مع العراق، بعيدًا عن الاشتراطات التقليدية التي كثيرًا ما تقف
حائلًا أمام الشراكات الاستراتيجية، مثل معايير الحوكمة الصارمة أو الاشتراطات الاستثمارية المعقّدة.

تقييم اقتصادي واقعي ، من منظور اقتصادي، فإن القرار الأمريكي لن يُحدث أثرًا كبيرًا على الاقتصاد العراقي في الوقت الحالي، نظرًا لمحدودية الصادرات العراقية إلى السوق الأمريكية، والتي تكاد تنحصر في بعض المنتجات الزراعية أو الحرفية، ولا تتجاوز أرقامًا متواضعة.
ومع ذلك، فإن حجم الاستيراد العراقي من الولايات المتحدة يبلغ نحو 60 مليون دولار سنويًا في قطاع الأرز، إضافة إلى عدد من المركبات والآليات لا تتجاوز 3000 سيارة سنويا (مثل سيارات التاهو لفئة محدودة بالمجتمع العراقي )، وهو ما يُتيح للعراق إمكانية استخدام هذا الميزان
المنخفض لممارسة دبلوماسية تجارية ذكية.

مقترحات عملية لتعظيم المكاسب:
1. إعادة تفعيل الإعفاء الجمركي الأمريكي للبضائع العراقية: يمكن للعراق أن يستند إلى سابقة تاريخية مهمة، حين قرّر الرئيس الأمريكي جورج بوش عام 2004 إعفاء الصادرات العراقية من الرسوم الجمركية. وبما أن العراق لا يشكّل تهديدًا تنافسيًا كبيرًا للاقتصاد الأمريكي، فإن التفاوض
لإعادة العمل بهذا الإعفاء يعد مطلبًا منطقيًا، لا سيما وأن دولًا حليفة كالأردن تحظى بمعاملة تجارية تفضيلية أكثر سخاء.

2. استثمار مباشر في قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الأمريكية: يمكن للعراق أن يبادر إلى تأسيس صندوق استثماري سيادي متخصص بتوظيف جزء من احتياطاته المالية في البنوك الأمريكية، أسوة بما فعلته دول مثل الإمارات. البداية بمبلغ مليار دولار سنويًا في قطاعات مثل
الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتقنيات الطاقة البديلة، ستكون خطوة ذكية، على أن يُطوَّر هذا الاستثمار تدريجيًا ليبلغ مستويات طموحة تصل إلى 20 مليار دولار خلال عقد من الزمان.

3. تأسيس مناطق إنتاج عراقية داخل الأراضي الأمريكية: إن إنشاء مصانع عراقية بالتعاون مع شركاء أمريكيين، خاصة في ولايات تقدّم حوافز ضريبية للمستثمرين، سيخلق موطئ قدم جديد للعراق في الاقتصاد الأمريكي، ويمنح المنتجات العراقية قيمة مضافة داخل أكبر سوق استهلاكية
في العالم، فضلاً عن تقوية الروابط المؤسسية بين القطاعين الصناعيين في البلدين.

4. تفعيل خطوط التجارة الثنائية والموانئ الخاصة: إبرام اتفاقيات شحن وتجارة تفضيلية مع موانئ أمريكية رئيسية (مثل هيوستن أو نيو أورلينز)، لتسهيل دخول السلع الزراعية العراقية والتمور والمنتجات اليدوية إلى السوق الأمريكية، خصوصًا ضمن برامج التجارة العادلة والمستدامة.

5. إنشاء مجلس شراكة اقتصادية عراقية-أمريكية: بهدف إدارة هذه التحولات وتعزيز قنوات التواصل، يمكن اقتراح تأسيس مجلس دائم للشراكة الاقتصادية بين البلدين، يضم ممثلين حكوميين وخبراء من القطاع الخاص وغرف التجارة، ويعمل على استشراف فرص التعاون وتذليل العقبات
أمام حركة التجارة والاستثمار.

إن الرسالة التي بعثها الرئيس ترامب، رغم طابعها الصارم في ظاهرها، تحمل بين سطورها عرضًا مفتوحًا لعلاقة اقتصادية غير تقليدية مع العراق. ومن هنا، فإن على العراق أن يتحرّك بدينامية عالية، وأن يحوّل هذه الرسالة إلى فرصة سيادية لتعزيز شراكته مع أحد أكبر اقتصادات العالم،
ليس من موقع الضعف، بل من موقع الشريك الساعي إلى التنمية والانفتاح والتكامل.

أن الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية لا تُثمر أرباحًا مادية فحسب، بل تخلق مناخات استقرار سياسي، وتبني جسورًا من الثقة بين الدول، وتُعزز من حضور العراق كدولة ذات وزن دولي يحظى باهتمام الشركاء، لا بصفتها ساحة صراع، بل طرفًا فاعلًا في معادلة المصالح الدولية.
فالاقتصاد حين يُدار بذكاء، يتحول إلى أداة سيادية، تُصالح الداخل وتُوازن الخارج، وتصنع للعراق موقعًا تفاوضيًا أقوى في المشهد الإقليمي والدولي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه


.. عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة قطر: الأمير الوالد أسس جيلا




.. الميزانية، اقتصاد الحرب.. ما أبرز ما قاله الرئيس ماكرون في خ


.. 375 كيلوغرامًا من الذهب تعود إلى خزائن العراق.. تطور صادم في




.. من الطاقة إلى التنمية.. كيف أعاد الأمير الوالد رسم الاقتصاد