الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدوغمائية: سجون العقل ومأزق الإنسان أمام الحقيقة
حمدي سيد محمد محمود
2025 / 7 / 12الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
د.حمدي سيد محمد محمود
الدوغمائية ليست مجرد موقف فكري متشدد، بل هي نمط وجودي يغلق نوافذ العقل ويحوّل الإنسان من كائن باحث عن الحقيقة إلى مدافع شرس عن أوهام يظنها حقائق مطلقة. إنها سجن ذهني يتقوقع فيه صاحبه، ويجعل من قناعاته أسوارًا تحجب عنه نور العقل وتشلّ قدرته على التأمل والتساؤل والنقد. في الحالة الدوغمائية، لا تُفهم الحقيقة بوصفها أفقًا مفتوحًا على الاحتمالات، بل تُختزل في جملة من الآراء والمعتقدات الجامدة التي يُعاملها الفرد كما لو كانت يقينًا إلهيًّا لا يُمسّ ولا يُناقش. ومتى تعارض الواقع مع هذه القناعات، يُعاد تأويل الواقع أو يُعاد اختراعه؛ فقط لكي يستمر الوهم.
لقد عرف الفكر الإنساني أشكالًا متعددة من الدوغمائية، بدءًا من التعصب الديني، مرورًا بالتحجر الأيديولوجي، وانتهاءً بالانغلاق المعرفي والعلمي. فالمتعصب دينيًّا لا يرى إلا نصوصًا يفسرها على هواه، ويرفض أن ينفتح على تأويلات مغايرة، أما الدوغمائي الأيديولوجي فيرى في أفكاره منظومة خلاص مطلقة، تُغنيه عن التفكير وتُغلق أمامه باب المراجعة. حتى في مجال العلم، قد تظهر الدوغمائية عندما يتم الدفاع عن نظرية علمية بعنف أشبه بالإيمان الديني، رغم ما قد يظهر من أدلة تنقضها. إنها حالة من العمى الفكري التي تُقصي النقد، وتؤسس لثقافة الإقصاء.
تكمن خطورة الدوغمائية في أنها تتغذى على الخوف: الخوف من التغيير، من الشك، من الفراغ المعرفي، من فقدان اليقين، من مواجهة الذات في مرآة الفكر المختلف. ومن هنا، فإن الدوغمائي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الطمأنينة؛ ولا يسعى إلى اكتشاف العالم، بل إلى تثبيت صورة مسبقة عنه، مهما كانت زائفة. بهذا المعنى، فإن الدوغمائية هي شكل من أشكال الهروب من الحرية، لأن الحرية الفكرية تتطلب مسؤولية الشك، والقدرة على تحمل التوتر الناتج عن تعددية وجهات النظر، وهو ما لا يقوى عليه الدوغمائيون.
على المستوى المجتمعي، تمثل الدوغمائية أحد أخطر معوقات التقدم الحضاري، إذ تعطل الحوار، وتمنع التعايش، وتؤدي إلى إنتاج سرديات مغلقة تُؤسّس للصراع بدل التفاهم. فالمجتمعات التي تهيمن فيها العقلية الدوغمائية تعيش حالة من الاستقطاب الحاد، حيث يُختزل الآخر في مجرد "خصم"، لا يُنظر إليه بوصفه شريكًا في الوجود الإنساني أو مصدرًا محتملاً للحكمة، بل يُعامل بوصفه تهديدًا يجب اجتثاثه. هكذا تتحول الأفكار إلى خنادق، وتتحول الثقافة إلى ساحة حرب، ويتحول العقل إلى آلة للدفاع لا أداة للفهم.
ولعل أحد أخطر ما تنتجه الدوغمائية هو خيانة الحقيقة نفسها. إذ بينما تدّعي أنها في خدمة الحقيقة المطلقة، فإنها في الواقع تقتلها بصمت، لأنها تمنع أي مسار نقدي قد يؤدي إلى كشف الزيف الكامن في بعض "المطلقات". كما أنها تُجرّد الإنسان من أعظم ما يمتلكه: القدرة على المراجعة، والاعتراف بالخطأ، والتطور. في ظل الدوغمائية، يتجمد التاريخ، ويتوقف الإبداع، وتُصبح المجتمعات أسيرة ماضٍ يُقدّس لا يُنتقد، وتُسدل الستائر على المستقبل.
إن مقاومة الدوغمائية ليست مجرد خيار فكري، بل هي مهمة وجودية وأخلاقية، تستدعي منا أن نتحرر من أوهام الكمال، وأن نمتلك شجاعة الشك، وأن نؤمن بأن عظمة العقل لا تكمن في امتلاكه للحقيقة، بل في بحثه الدائم عنها. فالفكر الحر ليس فوضى، بل مسؤولية، وهو يتطلب بناء وعي نقدي قادر على التفكيك وإعادة البناء دون الوقوع في عبودية الأفكار الجاهزة. إن لحظة التحرر من الدوغمائية هي لحظة ميلاد الإنسان الحقيقي: الإنسان الذي يفكر، ويشك، ويتعلم، ويتغير.
ومن هنا، فإن الحاجة إلى "تربية نقدية" باتت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. تربية لا تزرع في الأذهان أجوبة جاهزة، بل تساؤلات مفتوحة. تربية لا تحشو العقول بالمعتقدات، بل تُنمّي فيها الجرأة على التفكير والبحث والنقاش. فالدوغمائية لا تُهزم بالعنف، بل بالوضوح؛ لا تُقهر بالتهكم، بل بالمعرفة؛ ولا تُكسر بالخطابة، بل بالتعليم العميق والحر والمنفتح. وفي عالم بات فيه الانغلاق الفكري يُغذى عبر وسائل الإعلام والتواصل، فإن مهمة الفلاسفة والمربين والمثقفين الحقيقيين هي أن يفتحوا نوافذ جديدة للضوء، في وجه العقول التي أُغلقت طواعية، في زمن تسيطر فيه الظلال على المشهد.
في النهاية، ليست الدوغمائية مجرد خلل معرفي، بل هي مأزق إنساني شامل. ومواجهتها لا تعني فقط الانفتاح على الأفكار، بل استعادة إنسانيتنا المهددة في زمن تتراكم فيه الأصوات العالية وتندر فيه الأسئلة الصامتة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تجميد الحرب أم تسوية نهائية؟.. مقترح أميركي جديد يختبر روسيا
.. موازين - العراق في قلب حرب الممرات .. من يربح طريق التجارة؟
.. نازحو غزة يواجهون خطر المباني المتضررة من الحرب وغياب المأوى
.. دلالات عقد مسؤولين أمريكيين اجتماعا مع الحوثيين في عُمان
.. لا أغلبية لحزب في انتخابات برلمان مينداناو بالفلبين