الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
غزة بين فكّي الاحتلال والتهجير
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2025 / 7 / 12
القضية الفلسطينية
منذ أن تمددت آليات جيش الاحتلال داخل قطاع غزة، لم يعد السؤال "من يسيطر؟"، بل "إلى أين تتجه الأمور؟". فغزة اليوم ليست تحت الاحتلال وحسب، بل تحت مشرط تفكيك ممنهج. وما يحدث ميدانيًا لا يُشبه أي جولة سابقة. هذه ليست عملية عسكرية محدودة، ولا هي "ضربة تأديب" كما أحبت إسرائيل أن تسوق هجماتها سابقًا، بل خطة تدميرية استراتيجية تشبه إعادة تهيئة الأرض من جديد.
للوهلة الأولى، قد يبدو أن حماس فقدت السيطرة على قطاع غزة. وهذا صحيح جزئيًا. فوجود جيش الاحتلال في قلب القطاع، وغياب مؤسسات السلطة الإدارية والمدنية للحركة، وتهجير مئات آلاف السكان، كلّها دلائل على تفكك الهيكل التنظيمي الظاهر. لكن التفكك لا يعني الانهيار.
ما يحدث هو تحول: من سلطة مهيمنة إلى تكتيك العصابات. حرب الشوارع، الأنفاق، الكمائن، الكمائن المضادة. ليست هذه علامات ضعف، بل هي توقيع حماس الميداني حين تفقد الأرض. والمفارقة أن قدرة الحركة على العودة للانتشار بمجرد انسحاب جيش الاحتلال من منطقة ما، هي ميزة لا تملكها أي جهة أخرى. لا وجود لأي كيان سلطوي بديل في غزة منذ 2006، والحركة لا تبعث من رماد، بل تعود ببساطة لأن لا أحد غيرها يملك البنية ولا الإرث ولا القدرة.
في محاور مثل "موراغ"، لا تتلكأ إسرائيل عبثًا في المفاوضات. هذه ليست مماطلة دبلوماسية، بل لعبة مكشوفة: خلق أمر واقع يتيح تحويل مناطق معيّنة إلى "معسكرات اعتقال" تمهيدًا لإفراغها. التهجير هنا لا يأتي عبر شاحنات وقوافل. بل عبر الخنق البطيء، والحياة التي لا تطاق، والخوف الذي لا يرحم. "موراغ" ليست حالة إنسانية فقط، بل نموذج هندسيّ لسياسة "الهندسة الديموغرافية".
في سوريا، تم تشكيل فصائل رديفة، وتم توجيهها على الأرض لخلق مشهد "ما بعد الثورة"، مشهد الفوضى والاحتراب الأهلي. الآن يتم نسج نفس اللعبة في قطاع غزة: جماعات موضعية، مهمتها الاشتباك، التخريب، ونقل المعركة من مواجهة الاحتلال إلى معارك داخلية. الفوضى هنا ليست فراغًا، بل أداة. واللاعبون الجدد ليسوا غرباء، بل أذرع محلية أُعدّت مسبقًا لهذا الدور.
أما الولايات المتحدة فقد وصلت إلى القناعة أن استمرار القتال لا يخدم أحدًا، لا إسرائيل، ولا مصالحها. ولا بد ستفرض تهدئة، عاجلًا أم آجلًا. لكنها ستكون تهدئة بلا حل. تعليق لا يعني تسوية، بل لحظة توقف تمهد لإعادة توزيع الأوراق.
وفي مثل هذه اللحظة، سيكون الإقليم برمته جاهزًا لتقديم تصوراته: مصر ستخوض مواجهة سياسية لمنع التهجير. وقطر ستلعب دور الممول الشرعي لكل الاحتياجات. وتركيا ستدخل بثوب الراعي الديني والإنساني. أما الإمارات فستحاول الدخول من بوابة الإعمار لا أكثر.
لكن السؤال الحقيقي: من سيقرر مصير غزة؟ ومن سيتولى السلطة؟ هل نعود إلى حماس كأمر واقع؟ أم ستخلق سلطة هجينة جديدة برعاية إقليمية؟ أم أن الاحتلال سيبقى هو الحل الأسوأ لكن "الأبسط" بالنسبة للبعض؟
غزة اليوم في حالة معلقة: لا سلطة تسيطر بالكامل، ولا إسرائيل قادرة على فرض نموذج حكم بديل. لا مشروع واضح، ولا تصور متفق عليه. فقط الميدان هو من يتكلم.
اسرائيل لم تنتصر لأنها لم تحقق بوقة السلاح ما وضعته من أهداف لهذه الحرب، وحماس لم تُهزم رغم فداحة الخسائر لأنها فكر عقائدي قبل ان تكون تنظيمًا مسلحًا، في هذه الاثناء يعيش سكان القطاع بين نيران لا ترحم، وشبهات لا تنتهي، ومستقبل بلا خارطة.
ما يحدث في غزة ليس صراعًا عسكريًا فحسب. بل سباق على من يرسم ملامح المرحلة القادمة. ومن يفوته التقاط هذه اللحظة، سيفوته القطار، ويجد نفسه متفرجًا على قطاع يُعاد تشكيله دون إذنه... ولا وجوده.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سوريا تراهن على مصب بانياس الساحلي لنقل النفط العراقي
.. الجيش الأردني يعلن اعتراض 5 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه محا
.. صور اللبنانية تحت القصف الإسرائيلي: دعوات للإخلاء ونزوح متسا
.. نشر تسجيل مناقض لرواية الجيش الإسرائيلي بشأن مقتل رضيع فلسطي
.. ضربات متبادلة بين واشنطن وطهران بعد حادث إسقاط مروحية أمريكي