الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يرشّح متهمون بجرائم الحرب لجائزة السلام

حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)

2025 / 7 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


من المحزن والمثير للسخرية في آن واحد، أن يصل الأمر بمتهمين بجرائم حرب وإبادة جماعية إلى ترشيح آخرين متورطين في جرائم مشابهة لجائزة نوبل للسلام. هذا المشهد يعكس تحديًا صارخًا لمبادئ العدالة والسلام، ويحوّل هذه المفاهيم النبيلة إلى مسرح للعبث والسخرية. إنه يسلط الضوء على فوضى عالمية تنهار فيها القيم الإنسانية والحضارية، تاركةً المجال لتبرير الجرائم الكبرى بدلًا من محاسبة مرتكبيها، في إشارة إلى أزمة أعمق في النظام العالمي.

تظل القضية الفلسطينية الإسرائيلية حبيسة حلقة مفرغة من الجمود، حيث تُستبعد الحلول الواقعية لصالح النهج العسكري الذي يُقدم كغطاء "للحقوق الدفاعية" ضد تهديدات غير مؤكدة. تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في دعم هذا التوجه، بينما يسعى بنيامين نتنياهو لتعزيز الدعم الأمريكي عبر لقاءات مع دونالد ترامب، بهدف تأمين مواجهة طويلة الأمد مع إيران. ترى إسرائيل في المنطقة مسرحًا لإعادة التشكيل عبر أزمات وحروب مستمرة، لتحقيق طموحها في التفوق والهيمنة تحت شعار القوة العالمية.
الخطة المقترحة لأزمة غزة، والتي تركز على نقل السكان المحليين إلى معسكر جديد يتسع لمليوني شخص لفصلهم عن حماس وإعادة توزيعهم، هي جزء من رؤية أوسع لإحداث تغيير هيكلي شامل. إلا أنها تواجه تحديات هائلة تجعلها تبدو كـ "عبء ثقيل يستمر بلا نهاية، أشبه بعقوبة سيزيف".
تُظهر شخصية ترامب ديناميكية غير مستقرة، تتجسد في افتعال الأزمات بسرعة وخلق حالة من الفوضى، ثم المطالبة بإيجاد حلول بنفس السرعة. هذا النهج يعكس استراتيجية معقدة تجمع بين خلق المشاكل والسعي للتحكم بها.
عند تأمل مصطلح "الخيانة" في سياق وصف طبيعة ترامب بكونها "سريعة ومذهلة في صناعة الأزمات والمآسي"، لا يبدو الأمر خيانة مباشرة لشعب أو بلد من قبل القائد الإسرائيلي "بيبي". بل تُترجم الخيانة هنا إلى تقويض فرص الاستقرار والسلام، نتيجة الاعتماد على الطبيعة غير المتوقعة لترامب التي تُظهر قدرة استثنائية على صنع الأزمات ثم المطالبة بـ "حق" تحقيق المكاسب منها. يبدو أن التحالف مع قوة غير مستقرة مثل ترامب يعبر عن اختيار يفضل استمرار النزاع وتعميق الأزمات بدلًا من السعي الجاد نحو حلول عادلة ومستدامة.

تتضح رؤية بنيامين نتنياهو للسياسة كـ "لعبة يمتزج فيها الخداع والمكر كعناصر أساسية". هذا التصور يمهد الطريق لتبني استراتيجيات تعتمد على التحايل والتلاعب المتقن، مع استخدام أساليب ذكية تركز على تحقيق مصالح معينة دون التزام فعلي أو تقديم تغييرات جوهرية.

في هذا السياق، تشير الشائعات إلى استغلال نقاط ضعف دونالد ترامب، الذي يُعتبر سهل التأثير عليه بسبب حاجته الملحة لتحقيق إنجازات تُلمع صورته، ورغبته العارمة في الحصول على جائزة نوبل للسلام. تعتمد الاستراتيجية المطروحة على إعداد نص مصاغ بعناية فائقة يبرز ترامب في دور صانع السلام، دون أن تقترن الكلمات بأي تغييرات ملموسة في السياسات أو الالتزامات الحقيقية.
الهدف المعلن هو تقديم ترامب كمهندس للسلام في المنطقة والعالم، وهي صورة تجعله مرشحًا بارزًا لجائزة نوبل. تعقب هذه الخطوة زيارة رمزية يقدم خلالها هذا الترشيح علنًا لترامب، في إطار يهدف لتعزيز شعوره بالإنجاز عبر المناورة القائمة على المديح والإطراء.

ترتبط هذه التكتيكات ارتباطًا وثيقًا بمبادئ الفيلسوف توماس هوبز، الذي أشار في نظريته إلى أن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا عبر المرور بمرحلة من الصراع. ومع ذلك، يظهر تفسير مشوّه لهذا المفهوم في نهج كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب. فكلاهما يسعى لتبرير تحركاتهما السياسية المثيرة للجدل بادعاء أنها خطوات ضرورية لتحقيق السلام، رغم تورطهما العميق في تأجيج النزاعات وتصعيدها.

ثمة سؤال بلاغي ساخر: "إذا كان فريق نتنياهو قادرًا على إحكام قبضته على ترامب بهذه المهارة، هل يصح اعتبارهما أفضل المخادعين على مستوى العالم؟" هذه العبارة تكشف عن التناقض الحاد بين الخطاب السياسي المعلن والمساعي الحقيقية التي تركز على تحقيق مكاسب شخصية بدلًا من السعي الجاد لتحقيق السلام.

المشكلة ليست في تفوق أمة أو دولة أو عرق معين. الحل الحقيقي يتطلب تجاوز النموذج القائم الذي يُعّرف الدولة على أساس إثني أو ديني، سواء من الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني. يجب الاتجاه نحو بناء تصور حديث لـ "الأمة المتمدنة"، التي تستند إلى مبادئ التعددية واحترام التنوع الثقافي، وتتيح لجميع الأفراد، مهما اختلفت خلفياتهم، العيش معًا في مجتمع مفتوح ومتسامح يتبنى التعايش كقيمة أساسية. هذا التعايش يجب أن يمكن الجميع من الإسهام في إثراء التنوع وتعزيزه بدلًا من استنزافه وتقسيمه.
التقدم الحقيقي لا يتحقق عبر التمسك بالماضي أو السعي لإحيائه، بل من خلال تجاوز إرث الماضي والعمل باتجاه مستقبل مشترك يحترم حقوق الجميع دون تمييز. ازدهار الجميع وحريتهم مرهونان بضمان الحرية والازدهار للآخرين على قدم المساواة.

أثار إعلان المتحدثة الصحفية باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بأن دونالد ترامب يستحق جائزة نوبل للسلام، جدلًا واسعًا. استندت ليفيت في ترشيحها إلى مقال يصف قصف ترامب لمنشآت إيران النووية في يونيو، معتبرة أن هذا الإجراء منع إيران من الحصول على سلاح نووي. كما أشارت إلى دوره المزعوم في وقف إطلاق نار مؤقت بين إسرائيل وإيران، وجهوده الحالية للتوسط بين إسرائيل وحماس. وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالفعل عن ترشيحه لترامب للجائزة.

وقد واجه تصريح ليفيت انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أشار المنتقدون إلى أن القصف المذكور حدث قبل التوصل لأي هدنة، مما يضعف الحجة القائلة بأنه ساهم في إحلال السلام. كما لفت البعض الانتباه إلى أن الأسلحة الأمريكية استُخدمت في الهجوم الإسرائيلي، وهو ما يتعارض مع فكرة تعزيز السلام. اعتبر العديد أن سياسة ترامب الخارجية كانت سببًا في تصاعد النزاعات بدلًا من إنهائها، مما يجعل ترشيحه لجائزة السلام محل تساؤل كبير.

إن المشهد الذي نراه حيث يقوم شخص متهم بجرائم حرب بترشيح آخر يُنظر إليه كـ "مجرم" لجائزة نوبل للسلام، يثير سخرية مريرة ويدفع للتساؤل عن مدى تدهور القيم والمعايير العالمية. هذه الظواهر لا تعكس فقط تدهورًا في فهم أو تطبيق مبادئ السلام والعدالة، بل تشير أيضًا إلى تآكل المعايير الأخلاقية والقانونية. عندما تصبح الاتهامات الخطيرة بجرائم حرب أو إبادة جماعية أقل تأثيرًا على الخطاب العام أو على إمكانية الترشح لجوائز مرموقة، فهذا يشير إلى تآكل خطير في المعايير التي من المفترض أن تحكم العلاقات الدولية والمبادئ الإنسانية.

هذا يعكس "انزلاق مسيرة الحضارة البشرية في حركة إلى الوراء نحو جانبها المظلم". إذا كانت المبادئ التي بُنيت عليها الحضارة الحديثة، مثل حقوق الإنسان والعدالة والسلام، تُصبح عرضة للتلاعب أو السخرية بهذا الشكل، فإن ذلك يثير تساؤلات حقيقية حول مستقبل هذه المبادئ وقدرة البشرية على التعلم من أخطاء الماضي. إن هذه "المزحة التاريخية المريرة" هي في جوهرها دعوة للتفكير النقدي والمساءلة حول كيفية تحديد قيمنا، ومن نعتبره مستحقًا للتكريم على المسرح العالمي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تحياتى لك الاخ الاستاذ حميد المحترم
على عجيل منهل ( 2025 / 7 / 12 - 22:31 )
بهذا الترشيح، عادت جائزة نوبل للسلام إلى دائرة الضوء، لا بسبب الأسماء فحسب، بل بسبب الأسئلة القديمة المتجددة التي تطرح نفسها مع كل ترشيح مثير: من يملك حق الترشيح؟ ومن يقرر؟ وبأي معايير تُمنح الجائزة التي تحمل اسم السلام؟


2 - حلم حمار وحشي بنوبل‏
د. لبيب سلطان ( 2025 / 7 / 13 - 00:09 )
استاذ حميد
احد اعضاء هيئة الترشيح لجائزة نوبل قطع الطريق على ترامب الاسبوع الماضي عندما قال جائزة نوبل لا تعطى لمن يطارد مهاجرين ( بدبابات ومدرعات هي اضافة ضمنية من عندي) وكما كتب شكسبير حلم ليلة صيف فلو كان حيا لكتب حلم حمار متوحش في نوبل وفعلا هي مسرحية ابطالها ناتنياهو صاحب هولوكست العصر والجنرال رئيس باكستان واخر صاحب انقلاب افريقيا الوسطى كوميديا مضحكة فعلا اما المتحدثة باسم البيت الالبيض الدامة المكوكة التي فاقت غوبلز ففي كل اسبوع تكرر رؤساء العالم من كل جهة يرشحون الرئيس ترامب لانه يستحقها وكل جهود للسلام في العالم واجابتها مؤخرا رئيسة المكسيك ان احلال السلام داخل اميركا اولا كي نتحدث عن السلام في العالم
ملخص الحديث لا نوبل غشمة ولا مثلها قرابة خمسين معهد ومؤسسة معنية بالسلام وهي من ترشح للجائزة تخفى عليهم طبيعة هؤلاء الفاشيست ويعرفون هدفهم بالاساءة لاسم هذه الجائزة وربما يرفعون دعوة في المحاكم السويدية ضدهم بالتشهير باسم نوبل والسلام معا فهي كمن تأتيك مومس لتنال جائزة الشرف من البابا مسرحية تظهر غباء اليمين الفاشي المتطرف، العتب على الليبراليين في اميركا درسا لهم وللعالم


3 - شكرا أخي علي منهل
حميد كوره جي ( 2025 / 7 / 13 - 11:33 )
المعايير الأساسية لمنح الجائزة منصوص عليها في وصية ألفريد نوبل نفسه. وهي لا تنطبق على نرامب. وقد حدد نوبل أن الجائزة تُمنح للشخص -الذي قام بأكبر قدر أو أفضل عمل من أجل الأخوة بين الأمم، وإلغاء أو تخفيض الجيوش الدائمة، وعقد وتعزيز مؤتمرات السلام-. وعلى مر السنين، تطورت تفسيرات هذه المعايير لتشمل مجموعة واسعة من الجهود المتعلقة بالسلام، بما في ذلك حل النزاعات سلمياً بالوساطة في الصراعات، ونزع السلاح، بناء الثقة بين الدول. والدفاع عن حقوق الإنسان، وتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون، ومكافحة القمع والتمييز. والتنمية المستدامة والبيئة.
وإن الاعتراف بأن الفقر والتدهور البيئي يمكن أن يكونا مصدراً للصراع، وبالتالي فإن الجهود في هذه المجالات تساهم في السلام. و بناء جسور التعاون بين الشعوب والثقافات. وتقديم المساعدة للمتضررين من النزاعات والكوارث.
ألقاك على خير


4 - كوميديا مضحكة
حميد كوره جي ( 2025 / 7 / 13 - 11:44 )
!شكرا د. لبيب
لقد لخصت المشكلة ببراعة، وأنا أتفق معك في أن هذه الترشيحات أو كما سميتها حلم حمار وحشي، تثير تساؤلات جدية حول مدى فهم بعض المرشحين لمعنى السلام، أو ربما محاولتهم استغلال اسم الجائزة.
مداخلتك هذه تعكس حسًا نقديًا عاليًا وشغفًا بمبادئ السلام الحقيقية. إنها تسلط الضوء على التوتر الدائم بين تطلعات جائزة نوبل للسلام وواقع السياسة الدولية، حيث يمكن أن تُستخدم الجائزة كأداة سياسية أو محاولة لإضفاء شرعية على أفعال مشكوك فيها.

هل ستصمد الجائزة أمام هذه المحاولات، أم أنها ستفقد بريقها وقيمتها في نظر الكثيرين؟
ألقاك على خير


5 - مقال جرئ
ادم عربي ( 2025 / 7 / 13 - 14:17 )


اخي حميد
مقالكم هذا الجرئ يعبر عن مرحلة مظلمة في التاريخ الحديث، حيث يبدو أن البشرية تدخل زمن التقهقر إلى الفاشية بثوب جديد، فبدلاً من رفض الاستبداد، يتم تكريمه وإعادة تسويقه كقوة -صانعة للسلام-. في هذا السياق، يُضرب مفهوم السلام العالمي في جوهره، إذ يتحوّل من مشروع أخلاقي وإنساني إلى أداة سياسية بيد الأقوياء لتجميل وجوههم الملطخة بالدماء. المقال بجرأته الفكرية يُعيد تعريف السلام بعيدا عن الشعارات الكاذبة، مؤكدا أن السلام الحقيقي لا يعني التمسك المتعصب بالماضي أو بهوية إثنية أو دينية مغلقة وهي التعصب، بل هو التعايش الفعلي بين المختلفين، والاعتراف بحق الجميع في الحياة والكرامة والمساهمة في المستقبل المشترك. إن ما نشهده ليس فقط سقوطا في الأخلاق السياسية، بل نكوصا حضاريا خطيرا يعيدنا إلى منطق ما قبل الدولة الحديثة، حيث القوة تحكم والتنوع يُقصى، وكل ذلك تحت يافطة -السلام-.


ودمتم بخير


6 - تعليق مليء بالشغف والرؤية العميقة
حميد كوره جي ( 2025 / 7 / 13 - 17:43 )
شكرا رفيق آدم لتعليقك المليء بالشغف والرؤية العميقة حيث سلطت الضوء على مخاوف مهمة حول الوضع الراهن للإنسانية وتشويه مفهوم السلام.

أشاطرك أن السلام الحقيقي لا يتجلى في التمسك بالماضي أو بحصر الهويات، بل ينبع من التعايش والاحترام المتبادل والمساهمة المشتركة في بناء المستقبل.
وحقا، إن هذه المرحلة -حقبة مظلمة في التاريخ الحديث-، و-تراجع حضاري خطير-، حيث تهيمن القوة ويتم تهميش التنوع، تحت مسمى -السلام-.
ألقاكم على خير

اخر الافلام

.. لهذا السبب قد تندلع جولة جديدة من الحرب بين إسرائيل وإيران |


.. يسرائيل هيوم: اعتراض طائرة مسيّرة في إيلات بعد تفعيل صفارات




.. للقصة بقية | الكرد وسؤال الدولة


.. خارج الصندوق | إشعال حرب جديدة.. تحذير شديد اللهجة من ترمب ل




.. ترمب يحذر نتنياهو من إشعال حرب جديدة في المنطقة: ستجد نفسك و