الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العنف المؤسِّس: الجذور النظرية للمركزية الغربية وبنية الهيمنة الأوروبية
حمدي سيد محمد محمود
2025 / 7 / 13الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
د.حمدي سيد محمد محمود
لقد نشأ العنف الأوروبي الحديث في قلب المشروع الحداثي الذي تبنّى مفاهيم السيطرة والهيمنة والتوسع، مستندًا إلى أسس نظرية وفكرية مكنته من تأسيس نمط وجودي خاص به قائم على إخضاع الآخر وتطويعه ضمن نسق مركزي يُنصّب الغرب معيارًا كونيًا للتقدم والحضارة. فالعنف هنا لم يكن مجرد انحراف سلوكي عارض أو سلوك دفاعي مؤقت، بل كان جزءًا بنيويًا من المشروع الثقافي والسياسي الغربي منذ لحظة انبثاقه في العصر الحديث، مع الكشوف الجغرافية، وصعود الرأسمالية، وبروز الدولة القومية الحديثة. وكان الفكر الأوروبي بحاجة إلى شرعنة هذا العنف عبر سرديات فلسفية وعلمية وأخلاقية تمنحه "حق الهيمنة"، وتبرر "رسالة الرجل الأبيض" في تقويم الشعوب الأخرى.
في هذا السياق، يمكن تتبّع منابع العنف الأوروبي في ثلاث ركائز أساسية:
أولًا، الحداثة الأوروبية التي قنّنت إخضاع الطبيعة والإنسان تحت هيمنة العقل الأداتي، كما شرح ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو في كتابهما جدل التنوير، حيث بيّنا كيف تحوّل العقل التنويري إلى أداة للقمع والتشييء والتسلط. هذا العقل، الذي قدّم نفسه كمحرر للإنسان، سرعان ما كشف عن وجهه الاستعماري، إذ استخدم أدوات العلم والتقنية لإخضاع الشعوب المستعمَرة ونهب مواردها وإعادة تشكيل ثقافاتها وهوياتها قسرًا.
ثانيًا، الفلسفة السياسية الليبرالية التي دافعت عن الحرية والمساواة داخل المركز الأوروبي، لكنها مارست نقيضها تمامًا خارج حدوده. فقد أسّس مفكرو التنوير، أمثال جون لوك وروسو وسبينوزا، تصورات لعقد اجتماعي داخلي يحكم المجتمعات الغربية، في حين لم ينكروا – بل أحيانًا دافعوا – عن الاسترقاق والاستعمار والتمييز العرقي ضد غير الأوروبيين. هذا التناقض البنيوي بين القيم المعلنة والممارسات الواقعية هو ما شكّل لاحقًا جوهر المركزية الغربية، حيث تُمنح الحقوق فقط للمواطن الأبيض داخل الدولة الحديثة، بينما يُنظر إلى الشعوب الأخرى كمواد أولية للهيمنة.
ثالثًا، العلمانية الغربية التي حررت الإنسان من وصاية الكنيسة، لكنها أبدلتها بوصاية الدولة والعقل التقني والعلم الإمبريقي، مما أنتج نماذج عنيفة من الحكم والانضباط والسيطرة، كما أوضح ميشيل فوكو في تحليلاته حول "مجتمعات المراقبة" و"السلطة الحيوية". فباسم العلم والتنظيم والتمدّن، سُحقت هويات جماعية بأكملها، وتم إخضاع أجساد البشر لعلاقات قسرية من التصنيف والرقابة والسيطرة، سواء داخل المجتمعات الغربية أو في مستعمراتها.
لقد أدت هذه التراكمات إلى ظهور شكل خاص من المركزية الغربية، لا تُعرّف ذاتها فقط من خلال تفوقها الذاتي، بل أيضًا من خلال إعادة إنتاج الآخر ككائن ناقص، متخلّف، وعنيف بطبعه، يحتاج إلى التدخل الغربي لـ"تمدينه". وبهذا المعنى، أصبح العنف الأوروبي بنية مؤسسة لهذه المركزية، تشتغل على مستوى الثقافة والتاريخ والسياسة والاقتصاد. وتمظهر هذا العنف ليس فقط في الغزو العسكري، بل أيضًا في محو الذاكرة الثقافية للشعوب، وتدمير سردياتها الأصلية، وفرض نماذج الحياة الغربية كنموذج أوحد للحداثة والنجاة.
وإذا كان البعض قد اعتبر أن أوروبا قد تجاوزت هذا العنف بعد الحرب العالمية الثانية مع ولادة الاتحاد الأوروبي ونزعة السلام، فإن الواقع يظهر أن البنية نفسها لا تزال فاعلة ولكن بوسائل أكثر نعومة، كما في العولمة، والنظام المالي الدولي، وشروط "التحديث القسري"، وأشكال "الاستعمار الجديد". ولذلك، فإن المركزية الغربية لا تزال تعيد إنتاج ذاتها عبر أدوات معرفية واقتصادية وتكنولوجية تبدو "محايدة"، لكنها في جوهرها استمرار لتلك البنية المؤسسة على العنف الرمزي والمادي.
إن فهم العنف الأوروبي بوصفه نسقًا تأسيسيًا للمركزية الغربية لا يمكن أن يكتمل دون النظر إلى كيفية توظيف الخطاب، والمؤسسات، والمعرفة، لتطبيع هذا العنف وإضفاء طابع الكونية على التجربة الغربية، وهو ما يستدعي قراءة نقدية جذرية للفكر الحداثي ذاته، واستعادة أصوات المقاومة التي سعت لكشف هذا العنف وتحطيم أسسه الرمزية والمعرفية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. برعاية أمريكية.. تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لـ
.. نقاش الساعة - بين استهدافات غزة وغارات الجنوب اللبناني.. لما
.. هل بدأت أميركا والصين مرحلة التفاهم الكبرى؟ | #ستوديو_وان_مع
.. نقاش الساعة - هل تلتزم إسرائيل بتمديد وقف إطلاق النار في لبن
.. من هو عز الدين الحداد القيادي في كتائب القسام الذي قالت إسرا