الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من “أمير الجهاد” إلى “رئيس الدولة”
خالد خليل
2025 / 7 / 14مواضيع وابحاث سياسية
أحمد الشرع والإسلاموية السياسية بين التوظيف الغربي والتطبيع الزاحف
مدخل: حين تتحوّل الإسلاموية إلى نظام حاكم
في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، برز أحمد الشرع – المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني – من قلب السرداب الجهادي إلى قمة السلطة بوصفه الرئيس الرسمي لسوريا. ما كان قبل سنوات زعيمًا لفصيل مسلح مُصنّف على قوائم الإرهاب، أصبح اليوم رئيس دولة معترف بها ضمن ترتيبات إقليمية ودولية غير معلنة.
إلا أن الإسلام الذي يحمله هذا الرئيس ليس الإسلام السياسي المقاوم، بل “إسلاموية” مُعدّلة جينيًا لتلائم حسابات السلطة، والتطبيع، والرضا الغربي.
أولًا: من زعيم ميداني إلى رئيس دولة
أحمد الشرع، ابن ريف دمشق، خاض غمار القتال في العراق تحت راية الزرقاوي، ثم عاد إلى سوريا وأسس “جبهة النصرة” التابعة للقاعدة.
بعد انشقاقه عن داعش، تولى قيادة “هيئة تحرير الشام”، وتحول تدريجيًا إلى صاحب النفوذ المطلق في شمال سوريا، إلى أن تم تعيينه رسميًا رئيسًا للجمهورية السورية ضمن معادلة استقرار مدعومة تركيًا وخليجيًا وغضّ طرف دولي.
اليوم، يُخاطب أحمد الشرع السوريين والعالم كرئيس، ويتحدث باسم الدولة، ويعيد رسم موقع سوريا في الخارطة الجيوسياسية، عبر خطاب جديد قائم على “الاعتدال” و”الواقعية” و”السيادة المنضبطة”.
ثانيًا: إسلاموية السلطة – حين تُصاغ الشريعة على مقاس الاعتراف
في أول تصريحاته بعد تنصيبه رئيسًا لسوريا، قال أحمد الشرع:
“سوريا الجديدة لن تكون منطلقًا لمهاجمة إسرائيل. هدفنا هو بناء دولة مستقرة تحترم الجوار وتضمن أمن المنطقة.”
بهذه العبارة، افتتح الشرع عهد الإسلاموية السياسية، حيث تتحوّل الدولة من موقع الممانعة إلى موقع “الشراكة المتزنة”، وتُعاد كتابة العقيدة الأمنية والسياسية لسوريا بما يُرضي تل أبيب وواشنطن، ويطمئن الخليج، ويستوعب تركيا.
وهكذا يصبح الإسلام، في عهد الشرع، غطاءً سياسيًا لاستراتيجية اندماج في النظام الدولي، لا قاعدة للثورة أو المقاومة.
ثالثًا: أعمدة الإسلاموية السياسية عند الرئيس أحمد الشرع
تقوم إسلاموية الشرع، بوصفه الرئيس الحالي لسوريا، على عدة أعمدة رئيسية تشكل ملامح مشروعه السياسي–الديني:
أولًا، شرعيته لا تنبع من مبايعة شعبية أو انتخاب ديمقراطي، بل من توافقات إقليمية ودولية غير معلنة، ترتكز على التوازن بين تركيا، قطر، وبعض دول الخليج، مع قبول دولي ضمني.
ثانيًا، خطابه الديني يتخذ طابعًا رمزيًا ومهدّئًا، يُستعمل لإبقاء غطاء إسلامي شكلي على مشروعه، لا لتفعيل طاقات الأمة أو تحريك مشروع تحرري شامل.
ثالثًا، يتميز بشبكة علاقات خارجية واسعة تشمل تنسيقًا وثيقًا مع أنقرة والدوحة، وانفتاحًا ناعمًا على وسطاء خليجيين ينقلون رسائل إلى تل أبيب وواشنطن، ما يشير إلى انخراطه في محيط تطبيعي دون إعلان صريح.
رابعًا، المقاومة لم تعد جزءًا من عقيدته، بل يتم تصويرها كإرث مضطرب يجب ضبطه أو تجاوزه. وهو يرى الجهاد جزءًا من الماضي، فيما الحاضر يتطلب “إعادة بناء الدولة” بدل استمرار المواجهة.
خامسًا، طموحه السياسي يتجسد في تحقيق اعتراف دولي بدولته بوصفها كيانًا إسلاميًا معتدلًا ومفيدًا، لا في إعادة بناء الأمة أو مقاومة الاستكبار العالمي.
⚖ رابعًا: مقارنة حاسمة – بين الإسلام السياسي الأصيل، وإسلاموية أحمد الشرع
الإسلام السياسي الأصيل ينطلق من مرجعية شاملة تستند إلى الشريعة، ومفهوم الأمة، والرسالة التحررية، بينما يتموضع الإسلام السياسي الذي يطرحه الشرع ضمن مقاربة جزئية، انتقائية، توفيقية، تهدف إلى ضمان الاستمرارية في الحكم ضمن شروط المنظومة الدولية.
الإسلام الأصيل يتمحور حول الأمة بوصفها كيانًا متكاملاً، ويضع الاستكبار العالمي (الولايات المتحدة، إسرائيل) في موقع العدو المركزي، ويخوض مشروعه من منطلق التحدي الشامل. أما في حالة الشرع، فإن الهوية تُعاد تعريفها ضمن حدود الدولة الوطنية، ويُنظر إلى المقاومة كإرهاب يجب نزع شرعيته.
فيما يخص العلاقة بالغرب، فإن الإسلام المقاوم يرى فيه خصمًا ثقافيًا وسياسيًا يجب مواجهته، بينما يتحول الغرب في مشروع الشرع إلى شريك في بناء الدولة، وضامن للاستقرار، ومصدر للاعتراف.
الرسالة التي يحملها الإسلام المقاوم هي رسالة تحرر الأمة من التبعية، بينما رسالة الإسلاموية في عهد الشرع هي إدارة واقع ما بعد الثورة، واستيعاب شروط المجتمع الدولي، وضبط الداخل بالأمن، والخارج بالدبلوماسية.
خامسًا: الإسلاموية كأداة تطبيع
ما يطرحه الشرع في خطابه “الرئاسي” هو إعادة تعريف سوريا:
من دولة مقاومة إلى دولة “مستقرة مسؤولة”.
من عدو لإسرائيل إلى جار غير معني بالمواجهة.
من قاعدة إسلام سياسي تحرري إلى مختبر لتجربة إسلام براغماتي صالح للتعايش مع النظام الدولي.
وهذا ما يجعل التطبيع ليس انحرافًا في مسار الشرع، بل ذروة منطق الإسلاموية السياسية التي يمثلها.
سادسًا: دلالات مرحلة الشرع
1. انتصار “الإسلام الوظيفي” على الإسلام الثوري المقاوم.
2. تحييد مفهوم الجهاد بوصفه مصدرًا للتهديد لا للتحرر.
3. إعادة صياغة سوريا كدولة “نموذجية” في نظر الغرب، تعيد إنتاج الاستقرار الإقليمي ولو على حساب كرامة الأمة.
في عهد الشرع، تتحوّل سوريا إلى دولة إسلامية اسميًا، أمنية عمليًا، محايدة سياسيًا، موالية اقتصاديًا، منزوعة الرسالة.
سابعًا: تحذير للأمة
لا يكفي أن يُحكم الناس باسم الإسلام، بل يجب أن يُحكموا بالإسلام الحق.
وأحمد الشرع – رغم لبوسه الإسلامي – لا يمثل إلا نموذجًا جديدًا من السلطة المفرغة من مشروعها التحرري، المزينة بالدين، والمرتهنة للإقليم والغرب.
إنه إسلام سياسي بلا مقاومة. بلا فلسطين. بلا أفق أممي.
إنه إسلام الرئيس، لا إسلام الأمة.
الخاتمة:
ما يجري اليوم في سوريا ليس مجرد انتقال سلطة، بل انتقال عقيدة.
من أمة تقاتل لتحيا، إلى دولة تُهادن لتُقبل.
من إسلام يقاوم، إلى إسلام يُطوّع.
والرئيس أحمد الشرع هو أبرز وجوه هذا التحوّل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. وزير الصحة البريطاني المستقيل يعلن نيته الترشح لخلافة محتملة
.. إيران على تواصل مع دول أوروبية بشأن مرور سفنها عبر مضيق هرمز
.. بلغاريا تفوز للمرة الأولى بمسابقة -يوروفيجن- للأغنية الأوروب
.. غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار إخلاء غداة تمديد ال
.. حرب أميركا على وكلاء إيران.. رسالة حاسمة للفصائل المسلحة في