الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العراق بين ظلال التحذير وإشراق الفرصة: دبلوماسية الفرص في لحظة إقليمية حرجة
عامر عبد رسن
2025 / 7 / 14الادارة و الاقتصاد
في مقالٍ منشور بموقع تشاتام هاوس، طرح الدكتور ريناد منصور رؤية تحليلية قلقة لما سمّاه بـ"الهشاشة العراقية"، في مواجهة التحولات الإقليمية الجارية منذ 7 أكتوبر وما أعقبها من زلازل سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط.
وإن كانت المقاربة صادقة في رصد التعقيدات والتحديات، فإنها – على الأرجح – لم تمنح الدبلوماسية العراقية الهادئة ما تستحقه من قراءة عميقة.
لقد خرج العراق، للمرة الأولى منذ عقود، من قلب الصراعات إلى هامش الحدث؛ لكنه لم يخرج من التاريخ ولا من الجغرافيا. وما يبدو حيادًا أو انسحابًا، هو في الحقيقة تَموضع سيادي محسوب، يستند إلى إدراك عراقي عميق بأن المصلحة الوطنية ليست في الصخب، بل في تثبيت الاستقرار وتعظيم المكاسب الهادئة.
بينما تتلاشى الحدود التقليدية بين الحرب والدبلوماسية، وبين الحلفاء والخصوم، يجد العراق نفسه في لحظة فارقة، لا لأنه على هامش الصراع الإقليمي هذه المرة، بل لأنه على عتبة انتقال استراتيجي في موقعه من المعادلة الدولية.
ففي مشهد متناقض، حيث يُرشّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام في ذات اللحظة التي تُرفع فيها "هيئة تحرير الشام" من قوائم الإرهاب، تتساقط المفاهيم وتُعاد صياغة الأخلاقيات بلغة المصالح لا المبادئ.
ورغم هذا الاضطراب، فإن العراق – بعد سنوات من الصراعات – يطل على نافذة نادرة من الاستقرار النسبي والفرص الاقتصادية المحتملة. ومما يعزز هذه اللحظة، ما جاء في رسالة الرئيس ترامب الأخيرة إلى رئيس الوزراء العراقي، والتي حملت دعوة صريحة إلى إطلاق شراكات اقتصادية استراتيجية، تمهّد لدور اقتصادي يمكن أن يكون مقدمة لدور دبلوماسي أكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل توازنات المنطقة.
إزاء هذا المشهد المركب، تتطلب المرحلة من النخب العراقية – السياسية والاقتصادية والفكرية – أن تتجاوز الانكفاء، وتستثمر الفرصة، وتحول الهامش إلى منصة، والتحدي إلى مشروع وطني جامع.
▪ بين الحذر والتصميم: كيف نقرأ السكون العراقي؟
صحيح أن المنطقة تغلي، وأن الحرائق تشتعل من غزة إلى مضيق هرمز، لكن بغداد لم تعد ساحةً مفتوحة لكل الرياح. فمنذ 2020، حين كشفت واقعة اغتيال الجنرال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مدى هشاشة المجال السيادي الجوي للعراق، بدأت مراجعة استراتيجية داخلية غير معلنة، مفادها أن الساحة لا تحتمل مزيدًا من المغامرات، وأن الأمن القومي يُصان بالعقل لا بالعاطفة.
هذه المراجعة لم تأتِ من فراغ، بل نضجت عبر تجربة معقّدة: من الحرب على الإرهاب، إلى موجات الانقسام، إلى دخول الحشد الشعبي في معادلة الدولة لا في مواجهتها. باتت الفصائل التي كانت تُعرف بالمواقف الثورية تُمسك اليوم بوزارات ومؤسسات، وتُدير موارد، وتُحاكي لغة الدولة. ليس هذا تحوّلًا في القناعة، بل انخراط في الحساب: فالاستقرار أصبح مكسبًا، لا عائقًا.
▪ حين تتحول التحديات إلى نوافذ
إن التحذير من هشاشة العراق لا يُخطئ تمامًا، لكنه يُغفل أن ما يسمّى هشاشة، هو في الحقيقة مرونة انتقالية بين عراق الأمس وعراق الغد. فما يراه بعض المراقبين تجنبًا للتورط، يراه الدبلوماسي المحترف استباقًا للانفجار.
وما يُقرأ على أنه تراجع عن الأدوار، هو في الحقيقة إعادة تعريف لدور العراق في النظام الإقليمي المتغيّر.
اليوم، العراق أمام فرصة لا تتكرر كثيرًا: أن يبني تموضعه الإقليمي من بوابة الاقتصاد لا الأمن فقط، وأن يفرض احترامه من خلال الممرات التجارية، ومشروعات الربط، وشراكات الطاقة، لا عبر البيانات السياسية وحدها.
▪ الدبلوماسية الاقتصادية: البوابة الآمنة لدور إقليمي
إن مشروع "طريق التنمية"، وميناء الفاو، واتفاقات الطاقة مع دول الجوار والخليج، ليست مشروعات اقتصادية فحسب، بل أدوات توازن استراتيجي ودبلوماسي. وفي منطقة تُعاد فيها كتابة معادلات النفوذ، من يربط لا يُعزل، ومن يربح شركاء لا يبحث عن وسطاء.
ولذلك، فإن على النخب العراقية – السياسية والفكرية والاقتصادية – أن تغادر منطقة الترقب، وأن تتبنى خطابًا تأسيسيًا جديدًا، يُعيد صياغة العلاقة مع الخارج من موقع الفاعل، لا المفعول به.
▪ الختام: من إدارة الخطر إلى استثمار الممكن
إننا لا نقلل من المخاطر، ولا نغفل التهديدات، لكننا نؤمن أن الدبلوماسية العراقية اليوم تمتلك فرصة نادرة لخلق توازن دقيق بين الالتزامات الإقليمية والمصالح الوطنية. وما يجعل هذا التوقيت استثنائيًا هو أن العراق لا يقف وحيدًا في العاصفة، بل تُفتح أمامه نوافذ تعاون وشراكة، كما تجلّى مؤخرًا في رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رئيس وزراء العراق، والتي دعا فيها إلى تعميق الشراكة الاقتصادية، وإنشاء مصانع عراقية في الولايات المتحدة، وتسهيل انسيابية التبادل التجاري.
ورغم ما تحمله الرسالة من براغماتية أميركية، فإنها تمثل – إذا أُحسن توظيفها – فرصة استراتيجية للعراق لإعادة تعريف علاقاته الخارجية، من موقع الشريك لا التابع، وبما يعزز التموضع الوطني في قلب شبكة التوازنات الدولية. فلا أحد ينتظر من العراق أن يكون محايدًا في كل شيء، ولكن الجميع يراقب إن كان قادرًا على أن يكون مستقلًا في قراره، ذكيًا في خياراته، وواقعيًا في تحالفاته.
في زمن تتشابك فيه السياسة بالقوة، والمصالح بالمواقف، فإن العراق لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى رؤية هادئة وعزيمة صلبة... وإرادة تضع الوطن فوق كل الحسابات.
رابط المقال : https://www.chathamhouse.org/2025/06/iraqs-fragile-stability-threatened-shifting-middle-eastern-order
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه
.. عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة قطر: الأمير الوالد أسس جيلا
.. الميزانية، اقتصاد الحرب.. ما أبرز ما قاله الرئيس ماكرون في خ
.. 375 كيلوغرامًا من الذهب تعود إلى خزائن العراق.. تطور صادم في
.. من الطاقة إلى التنمية.. كيف أعاد الأمير الوالد رسم الاقتصاد