الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العلمنة النقدية في فكر محمد أركون: بين تحرير المقدّس ونقد النقد
حمدي سيد محمد محمود
2025 / 7 / 15الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
د.حمدي سيد محمد محمود
يُعدّ محمد أركون أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى إعادة قراءة الفكر الإسلامي ضمن أفق الحداثة النقدية والعلوم الإنسانية المعاصرة. وقد تمحور مشروعه حول ما سمّاه "العلمنة النقدية"، التي لا تختزل في مجرد فصل الدين عن الدولة على النموذج الغربي، وإنما تسعى إلى تحرير العقل الإسلامي من البُنى الذهنية المغلقة التي أنتجتها القراءات الأرثوذكسية للنصوص الدينية عبر قرون طويلة. فالعلمنة عند أركون ليست موقفًا ضد الدين، بل أداة تحليلية ومنهجية تهدف إلى مساءلة أنظمة إنتاج المعنى داخل المنظومة الدينية، والكشف عن الآليات الرمزية والسلطوية التي تجعل من المقدّس حصنًا ضد النقد والتاريخ.
ومنهجيًا، ينطلق أركون من توظيف أدوات معرفية متعددة مثل الأركيولوجيا المعرفية، وتفكيك الخطاب، وأنثروبولوجيا المقدّس، مستلهمًا في ذلك أعمال فوكو، دريدا، وليفي ستروس. وبهذه الأدوات، سعى إلى بناء "تاريخ نقدي للعقل الإسلامي"، يبيّن كيف تم إقصاء تيارات عقلانية كالمعتزلة والفلاسفة، وتكريس قراءات أحادية للنص، حوّلت الدين إلى خطاب سلطوي محكوم بثنائية الحلال والحرام، والفرقة الناجية والضالة.
إلا أن مشروع أركون، رغم جرأته وتفرده، لم يخلُ من انتقادات واسعة ومتنوعة. أولى هذه الانتقادات تمثلت في اتهامه بأنه أعاد إنتاج النموذج الغربي في مقاربة الدين، وإن بشكل غير مباشر. فالكثير من منتقديه، لا سيما من داخل العالم الإسلامي، رأوا أن استلهامه العميق للفكر الغربي – دون تأصيل كافٍ في السياق الإسلامي – أوقعه في انفصال عن الواقع الديني والاجتماعي للمجتمعات الإسلامية. وقد وُصفت علمنته بأنها نخبوية ونظرية أكثر من كونها مشروعًا عمليًا قابلًا للتطبيق.
كما وُجه له نقد حاد من قبل مفكرين تقليديين وإسلاميين، على خلفية تفكيكه للمقدس الديني واعتباره منتجًا تاريخيًا وثقافيًا، وهو ما رُئي أنه يهدد بإزالة الهيبة عن النص القرآني والتقليل من قيمته الروحية المتعالية. في هذا السياق، وُصم مشروعه من قبل خصومه بأنه محاولة لعلمنة الإسلام بدلًا من أسلمته، واعتُبر تقويضًا لثوابت العقيدة باسم النقد.
في المقابل، جاءت انتقادات أخرى من خارج التيار الديني التقليدي، وتحديدًا من بعض المفكرين العلمانيين، الذين رأوا أن أركون رغم حداثيته الظاهرة، لم يستطع أن يتحرر كليًا من إرثه الإسلامي، وظلّ يحمل في طيات مشروعه نزعة "مصالِحية" تحاول التوفيق بين الدين والعقلانية الحديثة، وهي محاولة يراها بعضهم عقيمة أو تلفيقية.
وقد أُخذ عليه أيضًا تعقيد لغته وغموض أسلوبه، حيث اعتمد كثيرًا على المصطلحات الفرنسية والفكر الفلسفي الغربي، ما جعل أفكاره بعيدة عن المتلقي العربي العادي، وأحيانًا حتى عن المتخصص، مما حدّ من انتشار مشروعه بشكل جماهيري. كما رأى البعض أن رهانه على أنثروبولوجيا المقدس لم يكن دائمًا دقيقًا، لأنه أسقط نماذج تفسيرية غربية على بيئة دينية ذات خصوصية مختلفة، مما جعله في نظرهم ينزلق أحيانًا إلى تعميمات أنثروبولوجية تفقد السياق المحلي أهميته.
ومع كل هذه الانتقادات، يبقى مشروع محمد أركون علامة فارقة في الفكر العربي المعاصر، من حيث محاولته الجريئة في تحرير الدين من أَسْرِ السرديات السلطوية، وفتح باب العقل النقدي أمام النصوص المغلقة، وزعزعة المسكوت عنه في تاريخ الفكر الإسلامي. لقد قدّم أركون ما يمكن وصفه بـعلمنة تحريرية، تستهدف ليس القضاء على الدين، بل إعادته إلى ساحة النقاش العقلي والتاريخي والإنساني، من أجل بناء فضاء معرفي متعدد، يتجاوز الانغلاق الدوغمائي والانبهار الاستلابي بالغرب في آن واحد.
وإذا كان مشروع أركون لم يكتمل، ولم يتم استيعابه شعبيًا أو مؤسساتيًا، فإن قيمته تكمن في كونه محاولة فلسفية فكرية تأسيسية، فتحت الباب لأسئلة جديدة حول الدين، العقل، الحداثة، والتأويل. وهي أسئلة لا تزال قائمة، وتزداد إلحاحًا في ظل صعود الأصوليات من جهة، وتآكل المشروع الحداثي من جهة أخرى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مؤشرات متزايدة على احتمال عودة التصعيد العسكري بين واشنطن وط
.. قتلى في هجوم أوكراني على مناطق روسية من بينها موسكو
.. استعدادات عسكرية أميركية إسرائيلية.. ماذا ينتظر إيران؟
.. عاجل | أبوظبي الإعلامي: حريق إثر هجوم بمسيرة على محطة براكة
.. بعد توقف لعقود.. استئناف تصدير النفط العراقي عبر سوريا