الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
جنود الإسرائيليين في ظلّ العدوان على غزة: انكشاف العطب الداخلي خلف آلة الحرب
خالد خليل
2025 / 7 / 16مواضيع وابحاث سياسية
ج
تمهيد: حين تتهاوى الجبهة من الداخل
في خضمّ الحرب، تسلط الكاميرات على الدبابات، على الضربات الجوية، على قادة الأركان، وعلى عدّاد القتلى في الجانب الآخر. لكن ما لا يُقال — أو بالأحرى، ما يُطمس عمدًا — هو صوت الجنود الصامتين الذين يختارون أن يطلقوا النار على أنفسهم لا على “العدو”. أولئك الذين، بينما تهتف الدولة باسم “النصر”، يتهاوَون بصمت داخل ثكناتهم، بعيدًا عن الأضواء، كأنهم يشكّلون إحراجًا لأسطورة “الجيش الأخلاقي الأقوى في المنطقة”.
نحن أمام ظاهرة تتجاوز “الانتحار” بالمعنى الفردي إلى “الانهيار” كعلامة جماعية: انتحار الجنود الإسرائيليين، لا كحالات نفسية معزولة، بل كأعراض لخلل وجودي في صلب المشروع الصهيوني ذاته.
الأرقام تتكلم… بصوت مكتوم
رغم محاولات الرقابة العسكرية الإسرائيلية التكتّم على الأرقام، تشير تسريبات من داخل المؤسسة الأمنية إلى أنّ عدد حالات الانتحار في صفوف الجيش الإسرائيلي شهد ارتفاعًا ملحوظًا منذ بداية العدوان على غزة في أكتوبر 2023 وحتى منتصف 2025، مع تسجيل عشرات الحالات المُعلنة ومثلها (أو أكثر) مما يُسجّل كـ “وفاة في ظروف غير قتالية”.
الأخطر من ذلك: بعض هذه الحالات جرت في قواعد محصّنة بعيدًا عن ساحة المعركة، ما يدلّ على عمق التصدّع الداخلي، لا بفعل الخوف من الموت، بل من عبث الحياة ذاتها ضمن ماكينة عنف لا هدف لها سوى التدمير.
من البندقية إلى العدم: لماذا ينتحر الجندي الإسرائيلي؟
1. الانهيار الأخلاقي أمام الحقيقة الحيّة
المشهد الفلسطيني، ولا سيما في غزة، يضع الجندي الإسرائيلي في مواجهة متكررة مع مدنيين عُزّل، أطفال وأمهات وأشلاء. لا توجد معركة شريفة هنا. هناك قصف عن بعد و”تحييد أهداف” تتحول فجأة إلى جثث لعائلات كاملة. أمام هذا التكرار، لا يستطيع بعض الجنود تحمل عبء “الأوامر الشرعية” التي يفرضها الزي العسكري، فتبدأ التصدعات النفسية، وتتحول إلى اكتئاب ثم إلى رغبة في الإفلات… بأي ثمن.
2. الاغتراب الوجودي
الجندي الإسرائيلي، القادم من خلفية علمانية أو دينية متشددة، لا يجد في الواقع المحتلّ ولا في العدوان الراهن ما يتّسق مع القيم التي تربّى عليها: “أرض الميعاد”، “الدفاع عن الديمقراطية”، أو “شعب الله المختار”. يجد نفسه أداة في مشروع استيطاني عسكري لا أخلاق له. هذا التناقض بين الإيديولوجيا والواقع يخلق فجوة وجودية عميقة.
3. الخوف من الموت بلا معنى
بعض الجنود الذين ينتحرون لم يواجهوا اشتباكًا واحدًا، بل قضوا فتراتهم في الملاجئ أو الثكنات. لكنهم، في لحظة وعي مفاجئة، يُدركون أنهم قد يُقتلون دون أن يفهموا لماذا. هذا الفراغ الوجودي هو جوهر ما يدفع بالمرء للبحث عن “خروج ذاتي” من لعبة لا يفهم قواعدها.
الصدمة النفسية كعدوى مؤسسية
الجيش الإسرائيلي يضم اليوم آلاف الجنود المصابين بصدمات ما بعد الصدمة (PTSD)، لكن المؤسسة العسكرية تتعامل معهم بوصفهم أضرارًا جانبية لا تستحق أن تُكتب في البلاغات الرسمية. لا يُسمح لهم بالبكاء، ولا بالاحتجاج. يُطلب منهم فقط “العودة للخدمة”. هنا يتكرس ما يمكن تسميته بـ “الاغتصاب النفسي الممنهج”: إذ تُجبر الذات على الانصياع لعقيدة العنف، رغم تهشم بنيتها الداخلية.
ما الذي تكشفه هذه الظاهرة؟
انتحار الجنود الإسرائيليين ليس خللًا فرديًا في الصحة النفسية، بل مؤشر على تصدّع عميق في بنية العقيدة العسكرية الإسرائيلية نفسها. إنه صوت داخلي يصرخ في وجه المشروع الذي يدّعي أنه “يمنح الأمن”، بينما هو في الواقع ينتج الخوف، العدوان، والانفصال عن الذات.
بل يمكن القول إنّ هؤلاء المنتحرين هم – بشكل من الأشكال – أولى ضحايا هذه الحرب، لأنهم لم يُقتلوا بأيدي “العدو”، بل انتحروا في مواجهة عدوانيتهم الذاتية.
ما بعد السلاح: أيّ مستقبل لجيش تآكلت روحه؟
عندما يصبح الانتحار وسيلة الجندي لمقاومة ما أُمِر به، فهذا لا يعني فقط أن الجندي مريض… بل أن “المهمة” نفسها مريضة. وإذا لم يستفق المجتمع الإسرائيلي من وهم “جيش الحماية”، ويواجه الحقيقة القاتمة التي تقول إنّ العنف الممنهج لا يخلق الأمن بل يقتل الروح، فإنّ مزيدًا من الجنود سيتحولون إلى ضحايا على يد أنفسهم.
خاتمة: رصاصة نحو الداخل
الجندي الذي يضغط على الزناد ليقتل ذاته، لا يفرّ من المعركة… بل يعلن، في أكثر صور الاحتجاج صمتًا، أن هذه المعركة ليست له، وأن البندقية التي بين يديه لم تُخلق للدفاع، بل لتحطيم إنسانيته.
وهكذا، يتحوّل الانتحار من “نهاية فردية” إلى صرخة كونية تقول: لا أحد يربح في حرب كهذه… حتى القاتل يموت
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حركة حماس تدعو الوسطاء والدول الضامنة للضغط على الاحتلال لوق
.. خارج الصندوق | تفاصيل تراجع العراق عن إدراج حزب الله والحوثي
.. خارج الصندوق | تسريبات إسرائيلية تكشف تفاصيل جديدة حول وفاة
.. موجز الأخبار | إسرائيل تعلن مقتل ياسر أبو شباب وتوسع عملياته
.. ما الرهانات التي تقف خلف القتال المستمر في السودان على جبهات