الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاقتصاد العراقي مكشوف جويًا ورقميًا: الحرب الصامتة على الموارد والثروات
عامر عبد رسن
2025 / 7 / 17الادارة و الاقتصاد
لم تعد التهديدات التي يواجهها الاقتصاد العراقي محصورة في تقلّبات أسعار النفط أو أزمات الموازنة، بل باتت تتخذ أشكالًا أكثر خطورة وتعقيدًا، تُصنّف ضمن ما يُعرف بـ”الهجمات غير التقليدية” التي تجمع بين الضربات الجوية بالمسيّرات المجهولة والهجمات السيبرانية الخفية.
في الأسابيع الأخيرة، تكشّف حجم الاختراق الأمني الذي تشهده البلاد، مع تكرار الهجمات بالطائرات المسيرة ، سبقتها سقوط متكرر للطائرات المسيّرة في مدن مختلفة، بالتزامن مع هجمات سيبرانية استهدفت بنى الدولة الرقمية، من شبكات الاتصالات إلى البيانات الحساسة في مؤسسات
مدنية واقتصادية. هذه الهجمات لم تُواجه حتى الآن بردع حازم أو بنية دفاعية كافية، ما يثير تساؤلات خطيرة عن قدرة العراق على حماية منظومته الاقتصادية الحيوية، في مقدمتها المنشآت النفطية، المصافي، أنابيب التصدير، ومراكز البيانات المالية.
إن تجاهل هذه التهديدات أو التقليل من شأنها ليس مجرّد خلل في أولويات الأمن الوطني، بل مغامرة قد تُكلّف العراق خسائر اقتصادية فادحة، واضطرابات في بيئة الاستثمار، وشللًا في مشاريع التنمية على المدى القريب والبعيد. فالهجمات غير التقليدية لا تحتاج إلى جيوش جرارة،
بل إلى ثغرة في منظومة سيادية، أو غفلة عن جبهة غير مرئية. في هذا السياق، لم يعد التساؤل حول “ما إذا” كان الاقتصاد العراقي سيتأثر، بل أصبح السؤال الأهم: هل نملك أدوات الردع؟ وهل نتحرك قبل أن يُفرض علينا الثمن؟
المسيرات تهديد صامت يُربك الدفاعات ويستهدف الثروة الوطنية : لم تعد الطائرات المسيّرة المجهولة مجرّد خروقات عابرة لسيادة الأجواء العراقية، بل باتت تُشكّل نمطًا متكررًا من الهجمات التي تُهدد الأمن القومي، وتستهدف في الآونة الأخيرة منشآت حيوية، لا سيّما في إقليم كردستان، حيث طالت بعض الضربات البُنى التحتية النفطية الحيوية. رغم أن معظم هذه الحوادث لم تُسفر عن خسائر بشرية مباشرة، فإن تكرارها واتساع رقعتها الجغرافية – من كركوك إلى أربيل وزاخو والسليمانية – يشير إلى أن العراق بات رسميًا ساحة فرعية في حرب مسيّرات غير مُعلنة،
تُوظَّف فيها هذه التكنولوجيا لاختبار الجاهزية الدفاعية، وإرباك الأجهزة الاستخبارية، بل وربما لرسم خرائط إلكترونية للأهداف الاقتصادية والعسكرية الاستراتيجية.
القلق الاستخباري يتصاعد : في الأسبوع الأول فقط من تموز، تم تسجيل أكثر من خمس هجمات مسيّرة مجهولة الهوية، دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها، ودون أن تُصدر الجهات الرسمية روايات حاسمة بشأن الجهة المنفذة أو طبيعة الأهداف. وفي ظل هذا الصمت، تتزايد الشكوك حول أهداف أعمق، قد تتجاوز الاستطلاع أو التخريب المحدود، إلى ما يشبه التمهيد لضربات نوعية تُصيب العمق الاقتصادي العراقي.
إن استهداف المنشآت النفطية في الإقليم لا يُعدّ اعتداءً على طرف محلي فحسب، بل يُمثّل تهديدًا مباشرًا لأهم مصادر الدخل الوطني، وخرقًا سافرًا لخطوط الطاقة التي تُعدّ شرايين الاقتصاد العراقي. وهذا ما يُضاعف الحاجة إلى استراتيجية وطنية موحّدة للدفاع الجوي، تُواكب التحديات الجديدة وتُعيد رسم أولويات الأمن السيبراني والجوي، ضمن مقاربة شاملة للأمن الوطني.
الرادارات المستهدفة: الحلقة الأخطر : لا يمكن النظر إلى هذه الحوادث بمعزل عن حادثة قصف الرادارات العراقية في شهر حزيران الماضي، والتي استهدفت مراكز سيطرة واتصالات دفاعية في التاجي والناصرية، حينها تم تعطيل بعض وحدات الرصد الجوي، وسط تعتيم حكومي على التفاصيل الدقيقة.
الهجوم على الرادارات آنذاك لم يكن مجرد عملية عسكرية معزولة، بل يُفهم الآن ضمن سلسلة متصاعدة من الهجمات الإلكترونية والمسيّرة التي تهدف إلى تقويض قدرة العراق على مراقبة أجوائه. فالرادارات العسكرية تمثل العمود الفقري للسيادة الجوية، وضربها يفتح المجال واسعًا لتحرّك طائرات معادية أو مسيّرات مسلحة دون قدرة على رصدها أو اعتراضها. وعندما تُربط حادثة الرادارات اليوم مع تكرار هجمات المسيّرات في محافظات الاقليم، تتضح معالم خطر مركّب: هناك جهات تتقصّد إضعاف النظام الدفاعي العراقي، وتعمل على خلخلة الردع الجوي للعراق من الداخل.
تهديد مباشر للأمن القومي : في ظل هذه المعطيات، لم تعد هذه الحوادث “أمنية اعتيادية” أو مجرد انتهاكات محدودة، بل باتت تُصنّف على أنها تهديدات صريحة للأمن القومي العراقي، وتستدعي تغيير قواعد الاشتباك مع مثل هذه الظواهر. فالسكوت أو التهاون مع الطائرات المجهولة يشجع خصوم العراق –سواء كانوا دولاً أو جماعات غير نظامية– على استباحة أجوائه وتهديد مواطنيه ومرافقه الحيوية. والاعتماد على التصريحات دون تطوير فعلي للقدرات الجوية ومنظومات الدفاع يشكل ثغرة سيادية كارثية في زمن تُدار فيه الحروب عن بُعد، وبأقل الكلف.
ما الذي يجب فعله؟ : إن المطلوب اليوم ليس فقط التحقيق في حوادث سقوط المسيرات، بل:
1. إعادة نشر وتحديث منظومات الدفاع الجوي والرادارات في المواقع الحيوية والمنشآت الاقتصادية والعسكرية، خصوصًا في كردستان وشمال البلاد.
2. إجراء تحقيق سيادي مشترك يضم الأمن الوطني، والدفاع، وجهاز المخابرات، للتوصّل إلى مصدر هذه المسيرات، وكشف الجهة أو الدول التي تقف وراءها.
3. أجتماع عاجل لمجلس الأمن الوطني لاتخاذ قرارات استراتيجية وتوفير تمويل عاجل لتقوية الردع الجوي، ومنع تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للطيران غير النظامي.
4. فتح مسار دبلوماسي حازم مع الدول المحيطة، وإرسال إشارات واضحة بأن انتهاك الأجواء العراقية –بالمسيّرات أو غيرها– سيُعامل كعمل عدائي مباشر.
ختامًا : تكرار هذه الحوادث ليس عرضًا جانبيًا، بل إنذار مبكر لمرحلة أكثر خطورة. العراق اليوم بحاجة إلى إرادة سيادية حقيقية تدرك أن صون سمائه هو صون لدولته، وأن الدفاع الجوي هو الحصن الأول في عصر تتحول فيه الطائرات المسيّرة إلى أدوات سياسية وعسكرية شديدة الخطورة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تداعيات الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية وأثرها عل
.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض
.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ
.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار
.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة