الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من الجبال إلى الطاولات: العراق وتركيا على أعتاب شراكة ما بعد البنادق
عامر عبد رسن
2025 / 7 / 18الادارة و الاقتصاد
في خطوة غير مسبوقة أنهت أربعة عقود من التمرد، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) حل نفسه وتسليم سلاحه، مستجيبًا لنداء زعيمه عبد الله أوجلان من داخل معتقله في تركيا. هذه الخطوة، على رمزيتها السياسية والأمنية، فتحت الباب واسعًا أمام العراق
وتركيا لمراجعة قواعد الاشتباك، والانطلاق نحو صفحة جديدة من التعاون مبنيّة على المصالح المشتركة، بعيدًا عن منطق الجبهات المتوترة والحدود الملتهبة.
لقد عانى العراق طويلاً من تداعيات المواجهة بين أنقرة والعمال الكردستاني، ليس فقط من زاوية السيادة الوطنية التي طالما أثارها وجود أكثر من 50 قاعدة عسكرية تركية في شماله، بل أيضاً من زعزعة الاستقرار في المناطق الحدودية، وتعطيل إمكانات التنمية فيها.
ومع بدء تفكيك البنية العسكرية للحزب، فإن الفرصة تبدو سانحة لإعادة رسم معادلة العلاقة مع الجار التركي، على أسس جديدة قوامها المصالح الاقتصادية والتنموية، لا الملاحقات والمواجهات.
تصفير التهديدات.. ورفع مستوى الفرص : حلّ الحزب وسحب السلاح من جبال قنديل وسنجار، وإن لم يكتمل بعد، يمثل بادرة حسن نية يجب أن تُقابل بخطوات استراتيجية من بغداد وأنقرة.
إن الوضع الراهن يمنح العراق هامش مناورة أوسع لإعادة ضبط التوازن بين احترام سيادته الوطنية من جهة، والتفاعل مع المعادلات الإقليمية الأمنية من جهة أخرى، خصوصًا في ظل الحديث عن تحالف أمني إقليمي يضم العراق وتركيا ولبنان والأردن وسوريا. وعلى الرغم من أن أنقرة لم تصرّح رسميًا بنيّتها الانسحاب من شمال العراق، إلا أن تفكيك ذريعة "ملاحقة العمال الكردستاني" يمنح بغداد ورقة تفاوضية قوية يمكن توظيفها لفتح حوار مباشر حول مستقبل هذه القواعد، سواء بإعادة تموضعها ضمن اتفاقيات واضحة، أو دمجها في مشاريع تنسيق أمني مشترك
يضمن المصالح السيادية للطرفين مع تلويح بشراكات أقتصادية استراتيجية طويلة الامد .
الاقتصاد أولاً: من طريق التنمية إلى مصافي جيهان والطاقة المتكاملة : ما بعد حلّ حزب العمال الكردستاني لا ينبغي أن يُقرأ فقط كتحول أمني، بل كنافذة استراتيجية لإعادة بناء منظومة التعاون الاقتصادي العراقي–التركي على أسس أكثر تكاملاً واستدامة. فمشروع "طريق التنمية"،
الممتد من ميناء الفاو إلى الحدود التركية مرورًا بمحافظة نينوى، وأقليم كردستان ، يشكّل العمود الفقري لأي رؤية مستقبلية للاستثمار العابر للحدود، لكن استكمال هذا المشروع الحيوي مشروط باستقرار دائم في المناطق التي كانت مسرحًا لصراع مزمن بين أنقرة والحزب المحلول.
وفي هذا الإطار،
لا بد من الإشارة إلى الإمكانية الكبيرة التي يتيحها التعاون النفطي بين البلدين، وخاصة في ما يتعلق بإنشاء وتوسعة مشاريع مصافي تكرير النفط العراقي في ميناء جيهان التركي، كمحطة نهائية لخط أنابيب كركوك–جيهان، بما يعزز من قدرة العراق على مضاعفة ارباحه من خلال تصدير المشتقات لا الخام فقط، ويقلل من كلف النقل والاعتماد على الأسواق الوسيطة. هذا النوع من المشاريع لا يحقق فقط مردودًا ماليًا، بل يُحوّل تركيا من ممر عبور إلى شريك اقتصادي استراتيجي في سلاسل القيمة النفطية. ويمكن أن يشكل الانسحاب المنظّم للقوات التركية أو إعادة صياغة وجودها ضمن أطر أمنية–اقتصادية ثنائية، خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة المجتمعية في المناطق الحدودية، وتمهيد الأرض لاستثمارات تركية أوسع في مجالات الزراعة، والصناعات الغذائية، والتجارة عبر المنافذ البرية، ومشاريع الطاقة المتجددة، فضلًا عن خدمات البنية التحتية والربط الكهربائي. في لحظة سياسية حساسة كهذه، يبدو أن الاقتصاد لا يجب أن يكون "لاحقًا" للملف الأمني، بل قائدًا له، ومنصة لبناء تحالف مصالح يعيد تعريف العلاقة بين بغداد وأنقرة بعيدًا عن منطق الأزمات المزمنة.
نحو مفهوم جديد للسيادة: الشراكة لا التصادم : ما ينبغي التأكيد عليه في هذا السياق، أن السيادة لا تُقاس فقط برفع الأعلام فوق المواقع، بل بحجم قدرة الدولة على تحويل الجغرافيا إلى أدوات خدمة وطنية. فالتفاوض مع تركيا على انسحاب مدروس
أو إعادة انتشار مشترك ضمن تفاهمات أمنية–اقتصادية لا ينقص من مكانة العراق، بل يعكس نضجًا في إدارة التوازنات الإقليمية، وتحويل مسارات الحرب إلى مسارات شراكة.
إن العراق الذي يسعى للتعافي من عقدين من العنف والفوضى، لا يحتاج إلى جبهات جديدة، بل إلى ممرات آمنة للنمو والاستثمار. وفي لحظة انخفاض فوهات البنادق، فإن العقل السياسي العراقي مدعو لأن يلتقط هذه الفرصة،
ويُمسك بزمام المبادرة لصياغة معادلة تضمن الأمن، وتعزز التنمية، وتحفظ السيادة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه
.. عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة قطر: الأمير الوالد أسس جيلا
.. الميزانية، اقتصاد الحرب.. ما أبرز ما قاله الرئيس ماكرون في خ
.. 375 كيلوغرامًا من الذهب تعود إلى خزائن العراق.. تطور صادم في
.. من الطاقة إلى التنمية.. كيف أعاد الأمير الوالد رسم الاقتصاد