الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكتابة بوصفها شرارة وجود: تأملات في جدلية الإبداع والتجدد

خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)

2025 / 7 / 20
قضايا ثقافية


نحن نعيش في عصرٍ تعولمت فيه الكتابة وتقلّصت دهشتها، وتحولت أحيانًا إلى روتين يُمارس بلا وعي، تتبدّى الحاجة إلى تأمل عميق في طبيعة هذا الفعل الذي هو في جوهره توتر وجودي. فالكتابة ليست صناعة متكررة، بل شرارة تولّد المعنى في ظلمة الضياع وعتمة الخداع. هذا المقال محاولة لفهم الكتابة بوصفها تحولا داخليًا، وليست طاحونة تكرر ذاتها، بل مولدة تولّد القلق وتفتح أبواب المجهول.

أولًا: الكتابة ليست طاحونة
الكتابة التي تتكرر تفقد شرطها الوجودي. فهي لا تختلف كثيرًا عن طاحونة تدور بالحجر ذاته لتنتج الدقيق ذاته. مهما اختلفت زخارف الأسلوب أو تشعبت الموضوعات، فإن الكتابة التي تنطلق من الذات ذاتها، وباللغة ذاتها، ومن زاوية الرؤية ذاتها، لا تفعل أكثر من إعادة طبع صورة قديمة في مرآة الكلام.

الفعل الإبداعي الحقيقي لا يعمل وفق منطق الآلة، بل وفق منطق المولد. إنه يولّد توترًا، ضوءًا، صدمة. ومثلما لا تشتغل الكهرباء من الدوران وحده، بل من فرق الجهد، فإن الكتابة لا تولّد المعنى إلا عندما تنشأ من صراع داخلي، من اختلال توازن، من تماسّ مباشر مع المجهول.

ثانيًا: التجدد بوصفه ضرورة وجودية
ليست الكتابة نتاج عدد السنوات، بل عدد التحولات. الكاتب الذي لا يتغيّر، يتكرّر، والذي لا يجرّب، يضمُر. التجدد هنا ليس تنقّلًا بين موضوعات أو أساليب، بل حالة وجودية يعيشها الكاتب حين يعيد التفكير في اللغة، في ذاته، وفي علاقته بالعالم.

من لا يخرج من جلده، يبقى أسير جلده؛ فينتج تجربة نفسه حصرًا فيكرر نفسه. ومن لا يكسر صوته، يصير صدى نفسه.

الكاتب الذي يكتب لأنه "يعرف كيف يكتب" أخطر من الكاتب الذي لا يكتب، فالأول يقتل الكتابة من داخلها، بماء مألوف ولغة مطواعة.

ثالثًا: بين القول والقائل
يُقال إن كل شيء قد قيل. نعم، لكن لم يُقَل بعد بصوتك، من لحظتك، من انكسارك، من غبارك الخاص وعمقك المنفرد.

إنّ المواضيع الكبرى - الموت، الحب، الزمن، الغربة، الحنين - هي ثوابت الإنسان، لكنها لا تُستنفد، لأن زاوية النظر إليها تتبدل مع كل ذات واعية.

ليست الكتابة ما يُقال، بل مَن يقوله، ومن أي عمق وجودي يخرج المعنى. فحين يكتب كاتب عن الموت من شرفة الفكر، يختلف كليًّا عمن يكتبه من داخل نزيف الروح.

رابعًا: القارئ بوصفه شرط تحقق الطاقة
حتى المولدة، ما لم تجد جهازًا مؤهلًا، تبقى صامتة. وهنا تبرز فلسفة القراءة بوصفها فعل خلق، لا استهلاك.

النص لا يمنح المعنى، بل يفتح احتمالاته. وما لم يكن القارئ مستعدًا للمخاطرة، للانفتاح، للاحتراق الداخلي، فإن النص ــ حتى لو كان شرارة ــ لا يضيء شيئًا.

إننا بحاجة إلى قرّاء يتفاعلون لا يستهلكون، يشاركون لا يراقبون، ليكتمل الفعل الإبداعي كدائرة طاقة تبدأ من ذات الكاتب وتُستكمل في عين القارئ.

خامسًا: الكتابة عملية محو الذات لا تأكيدها
الكتابة، في أعمق صورها، ليست إثباتًا للذات بل محوٌ لها. هي تعرية داخلية، هدم مأوى الكلمات، والخروج إلى العراء بلا يقين.

الكاتب الذي يكتب ليبقى كما هو، لا يكتب، بل يكرر نفسه بلغة محسّنة. كل كتابة لا تُفاجئ كاتبها، لا تُفاجئ قارئها. وكل نص لا يخيف صاحبه، لا يُزعزع أحدًا.

أن تكتب، يعني أن تُهدد يقينك، أن تسير على سلك من نار، أن تنتقل ضمن تحولات مستمرة.

وفي الختام؛ الكتابة، في جوهرها، حدث وجودي لا لغوي؛ فهي ليست طريقة لنقول ما نعرف، بل وسيلة لنعرف ما لا نعرف أننا نعرفه. الكتابة ليست مجرد تعبير عن الموجود، بل هي أداة حفر في صمت اللاوجود، وبحث دؤوب في المؤثِرات الغائبة والمأثورات التي تظل كامنة في أعماقنا.

إنها ليست تقنية، بل توتر يولّد المعنى من تماسّ الألم باللغة. الكتابة الحقيقية لا تحدث حين تملك اللغة، بل حين تخذلك. لا حين تكتب، بل حين تشعر أن اللغة تكتبك.

وكل ما عدا ذلك، هو مجرد طاحونة تكرر نفسها في كل مرة، فلا تنتج سوى ما كانت تنتجه من قبل. فالكاتب الذي لا يتجدد يوميًا أشبه بالطاحونة التي تعيد ذاتها بلا جديد، أما الذي يتجدد فهو كمولد كهرباء ينير الطريق. أما إذا كانت الأجهزة التي يفترض أن تستفيد من ذلك المولد معطلة، أو إذا جهل الناس كيفية تشغيلها، فذلك بحث آخر.!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف تمضي هدنة عيد الفصح في ظل اتهامات متبادلة بين أوكرانيا و


.. الخبير العسكري نضال أبو زيد: إعلان الحصار على الموانئ جاء كو




.. -الالتفاف البري-.. خطة إيران لكسر حصار هرمز عبر العراق وتركي


.. -خريطة الحصار-.. كيف ستمنع واشنطن إيران من تصدير النفط؟




.. هل يمهد الحصار البحري الأميركي على إيران لتصعيد عسكري شامل؟