الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الطائفية: آلية إدراك ملوّثة لا موقف سياسي فقط

خالد خليل

2025 / 7 / 20
قضايا ثقافية


في الزمن العربي المتشظي، كثيرًا ما تُطرح الطائفية كـ”مشكلة سياسية”، أو كأداة تُستخدم في الصراعات على النفوذ والسلطة، ضمن ما يُعرف بالمفهوم الكلاسيكي للطائفية. هذا التصوّر المنتشر، والذي يتبنّاه كثير من المثقفين، يرى في الطائفية مجرد توظيف لهوية دينية أو مذهبية في ساحة السياسة، بحيث تُستدعى الانتماءات الضيقة لتُستخدم في لعبة الكتل والتوازنات.

لكن هذا التعريف، رغم وجاهته التوصيفية، يبقى سطحيًا، إذ يعالج الأعراض لا الجذور، ويصوّر الطائفية كحالة واعية ومتعمدة، فيما الحقيقة أكثر تعقيدًا، وأكثر خطورة.

الطائفية كنظام إدراك

الطائفية، في جوهرها الأعمق، ليست مجرد اختيار سياسي أو خطاب تعبئة. إنها نمط من الإدراك المُشوَّه، يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحقيقة، بالعدالة، بالآخر، وحتى بالذات.
هي عدسة غير مرئية تتسلل إلى الوعي، لتعيد ترتيب العالم في ثنائيات القرابة والخصومة، الانتماء والاختلاف، الحق والباطل، لا وفق معايير موضوعية، بل وفق درجة التقارب الرمزي مع “الجماعة”.

ليست الطائفية، إذًا، فكرة نؤمن بها أو لا نؤمن. إنها حالة شعورية معرفية تشتغل حتى في ظل خطاب العدالة والمساواة، حين نُحب لأسباب عاطفية ونكره لأسباب نعتقدها عقلانية، وحين نُبرر مواقفنا لا انطلاقًا من مبدأ، بل من موقع رمزي لا نعترف به صراحة.

الطائفية كـ “حب مشروط”

ليست الطائفية فقط ما يظهر من كراهية للآخر، بل تكمن أكثر في ذلك “الحب المشروط” للذات الجمعية، الذي يغض الطرف عن أخطائها، أو يراها ضحية دائمًا.
في هذا السياق، تتحول الطائفية إلى نوع من تأليه الجماعة، حيث تتماهى الحقيقة مع ما تقوله “جماعتنا”، ويُعاد تشكيل الضمير ليعمل كوظيفة حماية رمزية لهذه الجماعة.

وهكذا، قد نجد طائفيين لا يعلمون أنهم طائفيون، ومثقفين يخوضون أعتى المعارك الفكرية باسم التنوير والعدالة، لكنهم حين تمتحنهم الوقائع، يُظهرون اصطفافًا لا واعيًا أو حذرًا انتقائيًا، لا ينبع من التوازن بل من انحياز باطني لم يُفحص.

الطائفية كتشويش معرفي لا خطاب هوياتي فقط

يكمن أخطر ما في الطائفية في قدرتها على تلويث المفاهيم. إذ إن النص الطائفي لا يبدو طائفيًا دائمًا، بل قد يتجلى في صورة تحليل سياسي محايد، أو نقد موضوعي، أو حتى خطاب وطني.
لكن ما يُسرب “العدوى الطائفية” هو أن هذه النصوص:
• تتبنى رواية واحدة فقط وتتعصب لها دون قبول احتمالات الروايات الأخرى.
• تستخدم لغة التعميم والمبالغة وتُسقط الفردي على الجماعي.
• تشتق الحقيقة من الانتماء بدلًا من المبدأ، وتنزع العدالة من موقعها الكوني لتُلبسها هوية محلية.
• تُقصي الحوار وتتمترس خلف خطاب الضحية وادعاء الأخلاقية الحصرية.

كل هذا يُنتج نصًا “سليمًا ظاهريًا”، لكنه مشوَّه في بنيته الإدراكية، لأنه صادر عن وعي ملوث بالاصطفاف المسبق.

وسائل التباعد الاجتماعي: وقود جديد للطائفية

في عصر المنصات الرقمية، أصبحت الطائفية أكثر خفاءً وانتشارًا في آنٍ معًا. لقد وفّرت وسائل التواصل “فقاعات طائفية ناعمة”، تُغرق المستخدم في بحر من المنشورات التي تعزز روايته، وتقصي الروايات الأخرى، فتُرسّخ الانحياز وتُهندس العاطفة الجماعية.

والنتيجة؟
مثقف يظن نفسه موضوعيًا، لكنه لا يرى إلا ما يُروّجه أبناء طائفته أو محيطه الرمزي.
قارئ يصدق أنه ينطلق من حرص وطني أو إنساني، بينما هو في الحقيقة أسير سردية منتقاة، لم يفكك بنيتها ولا اختبرها نقديًا.

كيف نكشف الطائفية المتخفية؟

الطائفية ليست واضحة دائمًا، ولكن يمكن تعقّبها من خلال مؤشرات بنيوية، أهمها:
1. أحادية السردية: إقصاء الروايات الأخرى، ورفض حتى احتمال صحتها.
2. التعميم واللغة المطلقة: استخدام مفردات جماعية من نوع “هم دائمًا كذا”، “نحن وحدنا كذا”.
3. انتقائية الأدلة: عرض معلومات أو صور من جهة واحدة، وتجاهل السياقات والتفاصيل المعارضة.
4. غياب الحوار النقدي: التمترس خلف موقف أخلاقي ثابت ورفض مراجعة الذات.
5. ادعاء البراءة الكاملة: رفض الاعتراف بأي احتمال للتحيز، والتشبث بنقاء الذات.

في الختام: نحو تفكيك الطائفية في الذات لا في النص فقط

ليس كافيًا أن نرفض الطائفية كخطاب، بل ينبغي أن نفككها كنمط إدراك يعمل في اللاوعي.
ينبغي أن نمارس نقدًا مزدوجًا: للعالم كما يُروى لنا، ولأنفسنا كمصدر محتمل للانحياز الخفي.
أن نضع مبضع الشك في “مشاعرنا النبيلة” أحيانًا، وأن نختبر دوافعنا التي نراها محايدة.
الطائفية ليست فقط عدونا السياسي؛ إنها عدونا المعرفي، وعلينا أن نهزمها داخل وعينا أولًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا يريد بوتين؟ وما هي استراتيجيته في التفاوض؟


.. قوات الدعم السريع تسيطر على -هِجْلِيج- السودانية وانسحاب شرك




.. مراسلون بلاحدود: 67 صحفيا قتلوا العام الماضي في العالم نصفهم


.. كتائب القسام والصليب الأحمر يستأنفان البحث عن جثة أسير إسرائ




.. بيانات رسمية: الاحتلال الإسرائيلي يشطب آلاف العائلات الغزية