الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


وصمةُ عارٍ لا تُمحى: فلسطين بين الجوع والخذلان

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2025 / 7 / 20
القضية الفلسطينية


ما يجري في فلسطين، لا سيّما في غزة والضفة الغربية، لم يعد مجرد مأساةٍ إنسانية متكررة، بل تحوّل إلى عارٍ معلّق على جبين كل من كان يستطيع أن يتخذ موقفًا عمليًا ولم يفعل. أمام أعين العالم، تتكشف واحدة من أفظع الكوارث الحديثة: تهجير جماعي، وتجويع ممنهج، وقتلٌ بدمٍ بارد، فيما الصمت الدولي يراوح مكانه بين الإدانات الخجولة والتقاعس المتواطئ.

في الضفة الغربية، ووفقًا لمنظمة "أوكسفام"، تم تهجير أكثر من أربعين ألف فلسطيني قسرًا منذ يناير 2025، في ما يُعتبر أكبر عملية ترحيل منذ نكسة 1967. منازل تُهدم، ومستوطنون يشنّون الهجمات تحت غطاء من الإفلات التام من العقاب، والسلطات الإسرائيلية تمضي في نهجها دون توقف. وقد تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين في الضفة، منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، 960 قتيلًا، في عمليات استهداف ممنهجة لم تميز بين مقاوم ومدني.

أما في غزة، فالوضع يقترب من الكارثة المطلقة. يعيش أكثر من مليوني إنسان في حصار خانق منذ أشهر، وسط نقص حاد في الغذاء والدواء، وانهيار شبه كامل للبنية التحتية. أسعار المواد الغذائية ارتفعت بأكثر من 1400٪، فيما تشير تقديرات المنظمات الإنسانية إلى أن نصف السكان تقريبًا يعانون من نقص حاد في الأمن الغذائي، وأكثر من 500 ألف شخص مهددون بالمجاعة الفعلية.

ولم يقتصر الأمر على الحصار، بل تجاوزه إلى استهداف مباشر للمدنيين أثناء انتظارهم للمساعدات. ففي رفح ووسط غزة، قُتل العشرات أمام مراكز توزيع الغذاء، بينهم أطفال ونساء. تكررت المشاهد ذاتها عند معبر زيكيم، حيث سقط عشرات القتلى والمصابين. وكأن القتل لم يعد يختار ساحات المواجهة، بل صار يقصد صفوف الجوعى والمعدمين.

تزامنًا مع ذلك، شهد قطاع غزة انهيارًا تامًا للخدمات الأساسية. توقفت أغلب المستشفيات عن العمل بسبب نقص الوقود، وتفشت الأمراض في ظل غياب شبه كلي للرعاية الصحية. الأطفال والحوامل باتوا في صدارة ضحايا هذا الانهيار، فيما العجز عن إدخال مواد الإغاثة والدواء يزيد من فداحة الكارثة.

المنظمات الحقوقية الدولية لم تعد تملك سوى وصفٍ صريح لما يحدث: جرائم حرب تُنفّذ ضد مدنيين عزل، واستعمال للتجويع كسلاحٍ حربي، في خرقٍ فجٍّ للقانون الدولي الإنساني. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نفسه طالب بفتح تحقيقات مستقلة، لكنه عبّر في الوقت ذاته عن قلقه من أن مرتكبي هذه الانتهاكات لن يُحاسبوا أبدًا. حتى شخصيات إسرائيلية سابقة، من بينها رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، شبّهت مخطط "المدينة الإنسانية" في رفح بمعسكرات الاعتقال، لِما فيها من حبسٍ جماعي وتقييدٍ للحرية في ظروفٍ مهينة.

إنّ هذه الوقائع لا تُبقي مجالًا للغموض أو التساؤل: ما يجري في فلسطين، وخصوصًا في غزة، هو تطهيرٌ ممنهج لشعبٍ كامل، تُرتكب ضده كل الجرائم الممكنة في وضح النهار، بينما يراقب العالم بصمتٍ يساوي التواطؤ. وكل من يستطيع أن يقول "لا"، أن يضغط، أن يناصر، ثم يختار السكوت أو الحياد، فقد أصبح جزءًا من الجريمة، ولو بصمته.

وصمة العار لن تقتصر على الجناة وحدهم، بل ستطال أيضًا كل من تواطأ بالصمت، وكل من رأى ولم يتحرك، وكل من خذل شعبًا يُجَوَّع ويُشرّد ويُباد ببطء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رغم قضية الاختلاس.. هل تصل مارين لوبان الى سدة الرئاسة في فر


.. وزير خارجية تركيا: الجميع يريد التهدئة إلا إسرائيل | #الحقيق




.. أسباب تعثر نشر القوات الدولية في غزة.. قراءة تحليلية في ما و


.. عُملة من وَهم | الوجه الخفي لأعقد خدعة رقمية بالعالم وأسرار




.. نافذة من أمريكا | ترمب يهدد بضربات واسعة على إيران إذا نجحت