الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مديح الهامش… ومراثي المعنى

خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)

2025 / 7 / 23
الادب والفن


نحن فی زمنٍ يتسابق فيه الناس لجذب الأضواء، لا لصناعتها، تصبح الكتابة الصادقة فعلاً شاقًا، بل فعلاً شبه عبثي في نظر كثيرين. الكاتب الصادق ليس تاجرَ كلمات، بل صانع وعي، وناثر شظايا ذاته على الورق. يكتب لأنه لا يستطيع إلا أن يكتب، لا لأنه ينتظر تصفيقًا. وهنا يكمن العذاب، وهنا يتشكل المعنى.

الصدق في الكتابة ليس وصفًا أسلوبيًا، بل موقفٌ وجودي. حين تكتب ما يؤلمك، ما يعريك، ما يُخرجك من دائرة القبول الجماهيري إلى دائرة الصمت أو الرفض، فإنك تمارس أصعب أنواع الحرية: حرية أن تكون نفسك في عالم لا يريدك أن تكون كذلك.

هذا الصدق لا يكافَأ دائمًا. قد تكتب ما يهزّ الجدران، لكن لا يسمعه أحد. أو يسمعك من لا يملك أن يغيّر شيئًا. وقد ترى نصوصًا فارغة تُرفع كالأعلام وتشتهر كالنار في الهشيم، بينما تُهمَّش كلماتك في الظلال. وهنا تنشأ المرارة: لماذا نكتب إذًا؟ ما جدوى النقاء في زمن التلوّث الناعم؟

الشهرة ليست برهانًا على القيمة
يقع كثير من الكُتاب الحقيقيين في خطأ شائع: أن يقيسوا أثرهم بعدد القرّاء، أو المتابعين، أو المبيعات. لكن الأدب والفكر لم يكونا يومًا مجرد أرقام. الأثر الحقيقي لا يُقاس بانتشاره، بل بعمقه. ما فائدة أن تقرأك الملايين وتنسى اسمك بعد يوم؟ كما هو حال "الترندات" اليوم. بينما قارئٌ واحد، بعيد، قد تتغير حياته لأنك كتبت ذات مساء جملة صادقة، خرجت من شق في قلبك لا من حساب خوارزمي؟

أن تكون نقيًا… في زمن التشويه
أن تكتب دون تمثيل، وتعيش دون أن تتحول إلى ظل، هي بطولة داخلية. العالم قد لا يراك، لكنه لا يستطيع تشويهك. العالم يكافئ من يشبهه، لا من يُشاكسه. والكاتب الصادق بالضرورة "مشاكس"، لأنه لا يعيد إنتاج الواقع، بل يُسائله، يُمزقه، ويعيد ترتيبه على مهل، بوعيٍ وحُلم.

الظل لا يصنع نورًا
الكاتب الذي يكتب ليُرضي، يتحول تدريجيًا إلى مجرّد ظل: لا طعم له، لا لون، لا أثر. أما الذي يكتب من قلبه، بصدق موجِع، ولو دون ضوء، فهو يترك أثرًا شبيهًا بالبصمة: لا يُمحى، وإن لم يُرَ.

حارسُ النور في داخلك
ربما لن تفتح لك الكتابة الصادقة أبواب المال ولا الشهرة، لكنها تُبقيك متصالحًا مع نفسك، مع لغتك، مع حقيقتك. هذا ليس قليلًا، بل هو كثير في عالمٍ يدفعك كل يوم إلى أن تبيع شيئًا من روحك مقابل القبول.

اكتبْ، حتى وإن لم يصفق أحد.
اكتبْ، لأنك لا تحتمل الصمت.
اكتبْ، لأن الحقيقة - وإن لم تُكافأ - تبقى أسمى وأنظف من الكذب المريح.

ولأن الصدق لا يعلو في الأسواق، بل في ضمير الزمن؛ فالتاريخ سيشهد: من كتب من ذهب، ومن ذهب مع ما كتب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فى ذكرى ميلاد الشيخ الشعراوى الفنانة المعتزلة شهيرة تحكى عن


.. مزمار وفلكلور صعيدي مفأجاة الثقافة لركاب مترو جامعة القاهرة




.. بمناسبة اليوم العالمي للفن مجموعة راشد بن خليفة الفنية حين ي


.. كلمة أخيرة - المطرب عمرو عادل: بدأت الغناء في الأوبرا من سن




.. الفنانة تانيا صالح … • مونت كارلو الدولية / MCD