الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خلاصة القول: هل أصبح الصحافي ضيفا في مجلسه؟

محمد الزيري
صحفي مهني، باحث اكاديمي حاصل على شهادة الدكتوراه

(Ezziri Mohammed)

2025 / 7 / 23
الصحافة والاعلام


الثلاثاء 23/7/2025، "صادق مجلس النواب بالأغلبية، على مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة؛ حظي النص بموافقة 87 نائبًا، فيما عارضه 25 نائبًا، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت، في انتظار إحالته على مجلس المستشارين لاستكمال مسطرته التشريعية".
بكل صراحة، وبعيدا عن لغة التجميل السياسي ، أجد أن مشروع القانون الجديد المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة لا يرقى إطلاقًا إلى مستوى تطلعات الجسم الصحافي، ولا يعكس حجم الانتظارات التي راكمها منذ سنوات من أجل إصلاح حقيقي، عميق، وذي أثر ملموس.
أن يصادق مجلس النواب بالأغلبية على نص يفتقد إلى الجرأة في تفكيك أعطاب المنظومة، فتلك علامة واضحة على أن هناك من ما يزال يصر على تدبير الإعلام بمنطق التحكم والتقنِين بدل التمكين والتأهيل. ما وقع لا يعدو كونه محاولة أخرى لإعادة إنتاج نفس الآليات القديمة، ولكن هذه المرة بديكور قانوني جديد.
الوزير يقول إن المشروع “ليس مجرد نص تشريعي بل محطة مفصلية”… وأنا أقول إن المحطات المفصلية لا تكون بإعادة تدوير نفس الأدوار ونفس الممثلين، بل بإحداث قطيعة حقيقية مع المقاربات الوصائية التي تجهض استقلالية الصحافيين وتصادر حقهم في تمثيل أنفسهم عبر انتخابات نزيهة وشفافة.
فما الجدوى من الحديث عن حرية ومسؤولية إذا كان القانون يبقي على نظام الانتداب في تمثيلية الناشرين، ويصادر إرادة جزء من المهنيين؟ أليس الانتخاب الحر هو التعبير الحقيقي عن المسؤولية المهنية؟ كيف نطالب الصحافي بالالتزام بأخلاقيات المهنة ونحرمه من ممارسة حقه الديمقراطي في اختيار من يمثله داخل المجلس؟ هذه مفارقة تضعف الخطاب وتكشف عن نوايا غير معلنة.
ثم لنتحدث بصراحة عن ما يسمى "لجنة الإشراف المستقلة". من يعين هذه اللجنة؟ من يضبط مسارها؟ وأين هي استقلاليتها إن لم يكن الصحافيون والناشرون أنفسهم طرفا مباشرا في تشكيلها؟ هذا غموض قانوني مقصود، يفتح الباب واسعا أمام التأويل السياسي والتدخل الإداري.
الوزير يتحدث عن ملء "الفراغات القانونية"، بينما الحقيقة أننا أمام فراغ أعمق: فراغ في الإرادة السياسية لتمكين المجلس من ممارسة أدواره الحقيقية كجهاز للتقنين الذاتي لا كذراع تنفيذية لسياسات فوقية.
أين الحديث عن تمويل الصحافة، عن شروط الاشتغال الكريم، عن تعزيز استقلالية الصحافي أمام ضغط المقاولات وأرباب العمل؟ القانون صامت تماما عن هذه الإشكالات الجوهرية التي تهدد المهنة في عمقها، وتدفع عشرات الصحافيين يوميا إلى مغادرتها في صمت.
إن الحديث عن "الشفافية والحكامة" في ظل تجاهل أصوات النقابات المهنية وتهميش المقترحات الصادرة عن الهيئات التمثيلية، هو مجرد شعار مناسباتي، لا يعكس حرصا حقيقيا على بناء إعلام قوي ومستقل، بل يكرس مزيدا من الارتهان للإدارة وللرؤية السلطوية التي تنظر إلى الصحافي كمشتبه فيه وليس كشريك ديمقراطي.
باختصار، هذا القانون لا يطمح إلى التطلعات. هو مجرد تعديل شكلي في مضمون ما يزال يتنفس من رئة التحكم، ويحاول عبثا أن يلبس الرداءة لبوس "الإصلاح". أما نحن، فنطمح إلى إعلام حر، مهني، مستقل فعلا لا قولا، ومجلس وطني ينتخب فيه الجميع بنفس المعايير لا بالانتقاء.ومجلس وطني يمثّل الصحافيين، وليس المهن الأخرى. هذا ما أكرره دائما، كل مهنة لها مجلسها، يمثّلها ويعبر عنها، فلماذا يراد للصحافة أن تكون استثناء في هذا الباب؟ لماذا الإصرار على تذويب صوت الصحافي وسط تمثيليات هجينة، لا علاقة لها بأعباء الميدان، ولا بمخاطر الممارسة اليومية؟
كيف يعقل أن يتساوى من يشتغل بقلم وضمير، ومن لا يهمه من المهنة سوى واجهتها التجارية أو علاقاتها المصلحية؟ كيف نقبل أن تصادر مواقع القرار داخل المجلس الوطني من أناس لم يسبق لهم أن كتبوا مقالا أو واجهوا ضغوط التحقيق أو ضريبة الكلمة الحرة؟
الصحافي ليس قاصرا، ولا يحتاج إلى وصاية. ومنطق الإدماج الشكلي لشرائح غير صحافية في مجلس من المفترض أن يعنى أساسا بأخلاقيات المهنة الصحافية، هو اغتيال ناعم لفكرة التنظيم الذاتي، وتحريف خطير لوظائف المجلس. من أراد أن يمثّل قطاع الطباعة أو النشر أو الإعلان، فليؤسس له مجلسا خاصا، كما يحدث في كل التجارب المهنية الرصينة.
المجلس الوطني للصحافة ينبغي أن يكون صوت الضمير المهني، وحصنا للدفاع عن حرية الصحافة، لا منصة لتسويات بيروقراطية أو حسابات فئوية. وأي مشروع قانون يفرغ المجلس من هذه الروح، فهو مجرد هندسة قانونية لإسكات الصوت المهني، وتعليب القطاع في قوالب تقنية لا تنتج إلا المزيد من الإحباط”.
والسلام عليكم








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزير الخارجية السعودي يؤكد أهمية حرية الملاحة وسلامتها في مض


.. طهران ومسقط تؤجلان اجتماعا خليجيا وانفجارات مجهولة تهز سيريك




.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف


.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي




.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا