الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جهنم كأداة ردع رمزي: إعادة تأويل مفهوم العقاب في العقيدة الإسلامية

فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)

2025 / 7 / 23
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يُشكّل مفهوم "جهنم" في العقيدة الإسلامية بُعداً مركزياً في خطاب الترغيب والترهيب، حيث تُصوّر كعقوبة أخروية قاسية أُعدّت للكافرين والمذنبين. لكن هذا التصور لا يُفهم دائماً بمعناه الحرفي فقط، بل يمكن قراءته أيضاً كرَمزية ردعية تحمل وظيفة تربوية وأخلاقية ضمن سياق النصوص الدينية. فالخطاب الإسلامي لا يكتفي فقط بتقديم وعد بالنعيم، بل يوازن هذا الوعد بتهديد بالعذاب، ليُفعّل لدى الإنسان وعياً أخلاقياً نابعاً من الشعور بالمسؤولية والخوف من العاقبة. في هذا السياق، يمكن النظر إلى "جهنم" لا كغاية في ذاتها، بل كأداة رمزية تهدف إلى بناء ضمير ديني وأخلاقي حيّ.

إن استخدام العقاب الأخروي في الإسلام يُقدَّم غالباً بصيغٍ تصويرية حادة، سواء في القرآن الكريم أو في الحديث النبوي، بهدف التأثير في الوجدان البشري. فالصور الذهنية عن نار جهنم، وسعيرها، وسلاسلها، وعقاربها، والخلود فيها، ليست مقصودة بذاتها دائماً، بل لتجسيد هول العاقبة بطريقة تردع الإنسان عن الشر والانحراف. يقول الفيلسوف محمد أركون إن كثيراً من المفاهيم الدينية، ومنها جهنم، يجب أن تُقرأ في ضوء البعد الأنثروبولوجي والرمزي، لا كتصور جامد وثابت. بهذا المعنى، لا تُفهم جهنم كحدث مكاني بحت في عالم الغيب، بل كتحذير من نتائج أخلاقية ونفسية وسلوكية مدمّرة تبدأ حتى في حياة الإنسان الدنيوية.
النص القرآني نفسه يوحي في بعض المواضع بهذا البعد الرمزي؛ فمثلاً، في قوله تعالى: *"ذوقوا ما كنتم تعملون"* (سورة النحل)، يتجلى ربط واضح بين فعل الإنسان وجزائه، مما يدل على أن العذاب هو في جوهره تجلٍ لأفعال الإنسان نفسه. بمعنى آخر، جهنم ليست مجرد "مكان" للعقاب، بل انعكاس لخيارات الإنسان ومساره في الحياة. وهذا التصور يفتح المجال لتأويل جهنم كأداة ذات طابع تربوي، تستهدف ترسيخ القيم بدل أن تكتفي بالوعيد القهري.

في هذا السياق، يرى بعض المفسرين المعاصرين أن التفسير الحرفي لعذاب جهنم قد يعوق إدراك البعد الأخلاقي في الدين، ويحوّل العلاقة بين الإنسان والإله إلى علاقة خوف فقط. بينما إذا فُهمت جهنم على أنها نتيجة رمزية لمسار حياتي منحرف، فإنها تعيد الاعتبار لمبدأ الاختيار والحرية، وتُعزز مسؤولية الإنسان عن أفعاله. يقول فريد الأنصاري، في تأملاته التربوية، إن "جهنم ليست انتقاماً إلهياً بل هي ضرورة عدلية وتربوية، تحفظ للمقاييس الأخلاقية هيبتها في وعي الناس".

القرآن الكريم لا يُركّز فقط على جهنم كعقوبة للكافرين، بل يربطها أيضاً بسلوكيات اجتماعية وأخلاقية مثل الظلم، الكذب، أكل مال اليتيم، والنفاق. وهذا الربط يُبرز أن العقاب ليس مفصولاً عن الحياة، بل هو استمرار منطقي لها. فالمذنب لا يُعذّب لأن الله يريد التنكيل به، بل لأن سلوكه كان ضد نواميس الرحمة والعدالة، وبالتالي فإن ما يتلقاه هو "نتيجة" لا "تعذيب". وهذا ينسجم مع فلسفة قرآنية أعمق ترى أن للكون نظاماً أخلاقياً داخلياً، وأن من يخالفه يتحمل عواقب فعلية، سواء كانت دنيوية أو أخروية.

يمكن إذن أن نعيد تأويل مفهوم جهنم كمجاز رمزي ضمن المنظومة الأخلاقية الإسلامية، حيث لا يكون الخوف من النار مجرد رعب بدائي، بل محفّزاً لتحرّك داخلي نحو الإصلاح الذاتي. وهذا يتطلب تجاوز القراءة الحرفية الجامدة، نحو فهم ديناميكي يُفَعّل الرسالة القرآنية كأداة بناء حضاري وأخلاقي. كذلك، فإن هذا التأويل لا ينفي واقع جهنم كغيب، بل يُوازن بين الغيب والرمز، بين العقيدة والمقصد، بين النص والتأويل.

في النهاية، يمكن القول إن "جهنم" ليست فقط وعيداً أخروياً بل أداة رمزية قوية، تستنهض الوعي وتردع النفس، وتحفظ للمجتمع توازنه القيمي، وهو ما يجعلها جزءاً فاعلاً في مشروع بناء الإنسان في التصور الإسلامي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد هجوم برلين: 10 قوانين جديدة لمواجهة الارهاب الاسلاموي في


.. الاحتلال يغلق الحرم الإبراهيمي أمام المصلين ليومين بحجة الأع




.. الفرق بين الإغريق والعرب في التاريخ القديم ج1


.. الكلاسيكو-ربيع ياسين النادي الاهلي ناقصه الروح..واللاعب الجي




.. قيادي إعلامي سابق بقنوات الإخوان يعري الجماعة ويكشف علاقتها