الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تكفير المخالف وتأبيد الاختلاف: قراءة في ضوء النصوص القرآنية والحديثية
فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)
2025 / 7 / 23
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في قلب العقيدة الإسلامية، يظهر التنوع والاختلاف كظاهرة طبيعية ومقرّرة، لا كخطيئة أو انحراف. لكن عبر العصور، طغى خطاب تكفيري يرى في كل مخالِف تهديدًا للهوية الجماعية، مما أفضى إلى استخدام التكفير كأداة لتثبيت السلطة أو تصفية الخصوم. هذا المقال يعيد تأمل هذه الظاهرة من منطلق قرآني وحديثي، محاولًا استجلاء الفارق بين الخلاف المشروع والتكفير المُجحف، وموقع حرية الرأي داخل التصور الإسلامي.
حرية الاختلاف في القرآن الكريم
يقرر القرآن أن الخلاف بين البشر أمر ملازم لطبيعتهم ومرتبط بإرادة الله، لا عجزًا في الهداية أو قصورًا في البيان. قال تعالى: *"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم"* (هود: 118-119). فالاختلاف ليس مجرد احتمال، بل مقصد إلهي لحفز الفكر والاختيار الحر، وفتح باب الاجتهاد والنقاش.
بل إن القرآن ذاته اعترف بتعدد التأويلات داخل الخطاب الديني، دون تسويغ التكفير أو العنف: *"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات... وأخر متشابهات"* (آل عمران: 7). والموقف القرآني من أهل الكتاب – وهم مختلفون في العقيدة والنبوة – كان في كثير من آياته دعوة إلى الحوار لا إلى الإقصاء: *"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"* (العنكبوت: 46).
النبي صلى الله عليه وسلم وتقديس حرية الاجتهاد
في الحديث، نقرأ تعبيرًا نبويًا راقيًا عن التسامح مع تنوع الفهم، حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: *"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"* (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث يؤصل أن الخطأ في الاجتهاد لا يُكفّر، بل يُؤجر، ما دام صاحبه مخلصًا وباحثًا عن الحق.
كما أن السُّنة النبوية في حوادث كثيرة تظهر تقبُّل النبي لاختلاف الصحابة في الفهم، مثل قصة صلاتهم العصر في بني قريظة، إذ قال بعضهم: "لا نصلّي العصر إلا في بني قريظة"، وقال آخرون: "نصلّي في الطريق"، ولم يعنّف النبي أيًّا منهم.
التكفير: انحراف عن الأصل ومصدر للتمزق
رغم هذا التراث الواضح، برزت في التاريخ الإسلامي جماعات – أولها الخوارج – تبنت منهج التكفير كسلاح ضد الخصوم. فقد كفّر الخوارج عليًّا ومن معه، ورفعوا شعار "لا حكم إلا لله"، كوسيلة لرفض أي فهم مخالف لتأويلهم الخاص. ومنذ تلك اللحظة، صار التكفير أداة لشيطنة الآخر، وتجريد المختلف من حقه في الوجود.
وقد نبّه العلماء إلى خطورة التسرع في إطلاق التكفير. يقول الإمام النووي: "التكفير حكم شرعي، لا يصدر إلا بدليل قطعي لا يحتمل التأويل". ويقول ابن تيمية – رغم شدته في بعض المواضع –: "الخطأ في ترك التكفير خير من الخطأ في التكفير".
الجذور الفكرية والسياسية لثقافة التكفير
تكفير المخالف غالبًا ما يرتبط بصراعات سياسية أو أزمات شرعية. حين تضيق السلطة صدرها بالنقد، تلجأ إلى إخراج المعارضين من دائرة الدين لتسهيل استئصالهم. وهكذا يتحول الخلاف الفكري أو الفقهي إلى "جريمة عقائدية".
في العصر الحديث، وجدت بعض الحركات المتطرفة في خطاب التكفير وسيلة لتبرير العنف وإرهاب المجتمعات. وقد أسهم هذا في تشويه صورة الإسلام عالميًا، وفي تفكيك النسيج الداخلي للأمة، وتحويل العقول إلى متاريس عقائدية مغلقة.
التكفير وتهديده للوحدة الإسلامية
إن أخطر ما يترتب على التكفير هو تمزيق وحدة المسلمين، وتحويل الخلاف الطبيعي إلى صراع وجودي. وقد شهدنا في القرون الأخيرة حروبًا وفتناً داخلية باسم الدين، بسبب اتهامات بالكفر أو البدعة، مما عطّل الاجتهاد، وعمّق الانقسامات بين المذاهب، ورسّخ روح العداء داخل البيت الإسلامي الواحد.
بينما الأصل في الأمة أن تُعلي قيمة "الاعتصام بحبل الله جميعاً" (آل عمران: 103)، وأن تكون كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم: *"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد"*.
الفرق بين العقيدة والسياسة
من المهم أن نفرّق بين العقيدة كمنظومة إيمانية، والسياسة كآلية تدبيرية. كثير من حالات التكفير في التاريخ الإسلامي لم تنطلق من نقاش لاهوتي حقيقي، بل من مواقف سياسية تم تغليفها برداء ديني. والخلط بين المجالين يؤدي إلى نتائج كارثية: تعطيل الاجتهاد، وقمع المعارضين، وتفتيت الصف.
دور المؤسسات الدينية والمثقفين
لا يمكن التصدي لثقافة التكفير إلا من خلال إصلاح الخطاب الديني، وإعادة الاعتبار لفقه المقاصد والاعتدال. على المؤسسات الدينية والمفكرين أن يعملوا على تأصيل ثقافة التعدد، وتقديم قراءات عقلانية منفتحة للنصوص، تتجاوز التراث الإقصائي، وتؤسس لفقه الحرية والرحمة.
كما يجب تعزيز المناعة الفكرية لدى الشباب، وتعليمهم أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الاجتهاد ليس خيانة، بل شرف المشاركة في فهم الدين.
نهاية مفتوحة... ولكن واعدة
ما لم يُعالج داء التكفير من جذوره، ستبقى الأمة تعاني من الانقسام والصراعات. ولكن الأمل يبقى قائمًا، فالنصوص القرآنية والنبوية لا تزال تفتح الباب واسعًا أمام الرحمة والعقلانية والتعايش، ويبقى على المسلمين أن يختاروا بين طريق الوحدة والنهوض، أو طريق الانقسام والتكفير.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد هجوم برلين: 10 قوانين جديدة لمواجهة الارهاب الاسلاموي في
.. الاحتلال يغلق الحرم الإبراهيمي أمام المصلين ليومين بحجة الأع
.. الفرق بين الإغريق والعرب في التاريخ القديم ج1
.. الكلاسيكو-ربيع ياسين النادي الاهلي ناقصه الروح..واللاعب الجي
.. قيادي إعلامي سابق بقنوات الإخوان يعري الجماعة ويكشف علاقتها