الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لماذا نسأل: لماذا؟ ، محاولة لبناء مدخل فلسفي موجز إلى أعمق اسئلة الكائن البشري
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 7 / 24الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
"يبدو أننا خُلقنا لنسأل ؛ ما أجمل جحيم السؤال ومأزق الوجود!" ، هذا ما حدثت به نفسي قبل أن اخلد إلى النوم عندما فكرت بـ دلالة وقصدية الـ "لماذا؟" ، و بسبب هذا نشأت لنا تدوينة اليوم من كلام ما قبل النوم ، وفي الواقع إن الـ "لماذا؟" ليست مجرد أداة استفهام ، بل هي فعل وجودي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، و سوف نبين هذا الأمر في تدوينة اليوم ، و أنا أرى أن السؤال بـ "لماذا؟" هو سؤال قديم قدم الفكر الفلسفي ، مثلما قال مارتن هايدجر عن السؤال عن ماهية الشيء أنه سؤال قديم ، والجديد فيه دائماً هو فقط أنه يجب في كل حين طرحه من جديد.
منذ اللحظة الأولى للوعي عند الإنسان ، يبدو أنه لم يكن مجرد حيوان ناطق (حسب التعريف الكلاسيكي) فحسب ، بل كان كائناً يتساءل ويبحث من حوله وفي الموجودات ؛ حيث يمكننا معرفة أن أجدادنا البدائيين كانوا يسألون أو بـ الأحرى يندهشون! ، وبعد هذا الإندهاش يأتي سؤال الانتعاش "لماذا؟" ، حيث يجدون أنفسهم أمام خواء التعريف ، واليوم نرى أغلب الأطفال الصغار يسألون: لماذا السماء زرقاء؟ وعندما يكبرون قليلاً ويصبحون مراهقين يسألون: لماذا نحن مختلفين؟ ، وعندما يصيبهم المرض يسألون: لماذا يحدث هذا؟ ، وعندما يصبحون فلاسفة نجدهم يسألون: لماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء؟ ، ليظهر لنا أن تاريخ تطور الإنسان ، هو تاريخ تطوري رافقه سؤال "لماذا؟" ، و هذا السؤال هو جذر العقل ، وجرح الروح ، و هو تلك الشيفرة التي تجعل القلق يعطينا معنًا لوجودنا.
و السؤال بـ "لماذا؟" هو فعل وجودي بامتياز ، لأنه سؤال يتحدى السكوت ، ويرفض الخضوع لأنه يرغب في الفهم ، لكن هذه الرغبة في الفهم ، قد تترجم في أحيان كثيرة إلى الرغبة في النجاة ، أو على الأقل "لماذا؟" انا موجود هنا؟ ، ونحن كـ ذوات عاقلة نقول "لماذا؟" عندما لا يكفينا الجواب السطحي ، ونقولها في بعض الأوقات لأن الوجود يربكنا ، لكن يبدو أننا نقول "لماذا؟" لأننا نريد أن نعثر على خيط في متاهة الحياة ، أو على الأقل شمعة تنير لنا الطريق أو تجعلنا نعثر على صديق! ، لكن يظل السؤال تمرينًا من أجل التأكد من صلابة الفكر.
الفلسفة لا تبدأ بـ الإجابات ، بل تبدأ عندما يسأل أحدهم: لكن "لماذا؟" ، وغالباً ما تنتهي محاولة الإجابة إلى حيز من الفراغ أو الخواء التعريفي الشرس ، الذي تقوم المذاهب الفلسفية المختلفة بـ إعادة تأهيله ، عن طريق إعادة سؤاله أو إعادة طرحه! ، وقد أحسن مارتن هايدجر عندما قال "الفلسفة عندما تبتدئ تكون دائماً في وضعية حرجة" ، وكل ما بني من مذاهب وأفكار وتيارات فلسفية ، إنما هو استجابة طويلة ، ومعقدة تحكمها الصيرورة ، ولذلك هي متغيرة دائماً لسؤال "لماذا؟" ، وإن الفيثاغوريون ، و أفلاطون ، ابن رشد ، نيتشه ، سارتر ، وحنة آرندت ، بالإضافة إلى فتجنشتاين ، كلهم كانوا أطفالاً كباراً سألوا "لماذا؟" ... ثم رفضوا السكوت ، وهناك غيرهم الكثير من الأطفال الكبار مجهولين الهوية عند القراء ، لكن "لماذا؟"
و علم النفس الحديث أو علم النفس الوجودي ، يعلمنا أن الإنسان عندما يسأل "لماذا؟" في حالات الألم أو الصدمة ، إنه لا يبحث أو بـ معنى أصح لا يكترث بـ التفسير المنطقي ، ولا يحاول البحث عنه دائماً ؛ لأنه يبحث أو يسأل من أجل معنى يتحمل به المأساة حيث أن:
• المصدوم يسأل: لماذا أنا؟
• المحزون يسأل: لماذا غادروا أو ذهبوا؟
• المكتئب يسأل: لماذا لا أشعر بشيء؟
• أما عن الفيلسوف فهو يسأل: لماذا الشروخ تملأنا؟ ، ولماذا الحوائط لا تحتوينا؟
كل هذه الأسئلة ليست أسئلة عقلية فقط ، بل هي وجودية لها زاوية شعورية حادة ، وتكتسي بـ رداء باطني/جواني يحمل الكثير من السمات الوجودية للفرد ، وهذه الأسئلة إذا لم تُعطَ فضاءًا آمنًا ، فقد تتحول أو تنمسخ بتعبير كافكوي إلى خدر ، أو إلى عدوان أو نوع من الصمت القاتل ، وهكذا قد نصل إلى نفس النتيجة التي توصل إليها هايدجر ، وهي إن الفلسفة هي ذلك التفكير الذي يبدو من ماهيته ، أنه لا جدوى منه لكنه يثير الانفعالات أو ضحك الخادمات بتعبير هايدجر.
وقد سبق و وصفت الشاعر وردزورث بأنه "شاعر الوجود أو شاعر للوجود" ، لما في شعره من سمات يمكن قراءتها وجوديًا ، لكن لماذا يقول الشعراء "لماذا؟" ؟ ، في الحقيقة يبدو لي أن الشعراء يسألون من أجل أن ينقذوا اللغة مِن مَن ؟ ، من التكلس والجمود ؛ حيث أن اللغة بلا "لماذا؟" هي مثل الطفل بلا بزازه (قنينة الحليب)* ، لأنها لن تنمو ولم تكبر بدون السؤال ، و بدون السؤال لن يكون هناك تفكير! ، بينما نجد المتصوفة يسألون "لماذا؟" لكي يعرفوا ويخترقوا حجب المعنى ، وبكل تجريد ألخص الأمر لك/لكي بأنهم يبحثون عن الحق! ، حتى الأنبياء - في لحظات الوحي أو التواصل - سألو "لماذا؟" ؛ وخير مثال على هذا نجده في القرآن الكريم ، حيث نجد النبي موسى يخبر ربه بأنه لما اُنزل إليه من خير فقير ، ونجد أيضاً يسوع المسيح في الأناجيل القانونية يقول أثناء الصلب "إلهي لماذا تركتني؟" ، وهذه الـ "لماذا؟" بالتحديد هي لحظة تمزق روحي لا يطلب تفسيراً ، بل يتوق إلى حضن المعنى ، و دفء الكينونة ، إذن كلمة "لماذا؟" ، هي فعل وجودي ، له أهمية وجدية و نبوية و كونية.
لكن ، "لماذا؟" خطر غياب السؤال؟
لأننا عندما نتوقف عن السؤال ، لا نصبح أكثر سلامًا ، بل نصبح أكثر قابلية للاستعباد ... ، حيث أن الأنظمة الشمولية مثل النازية وقياداتها ، و الأيديولوجيات المنغلقة أو المنكبة على نفسها ، هي كلها أشكال من التفكير اللا-سؤالي (المعتمد على الترديد) الذي يخشى سؤال "لماذا؟"
وقد يبدو لنا من هذه النقطة ، أن السؤال هو تلك الفوضى الجميلة التي تسبق الحرية ، أو أنه هذا الصوت الذي ملأ العالم كينونةٍ وإمكانًا ، و هو ذلك الإنفجار الأول في الكون الداخلي للإنسان.
و لكن ، هل من جواب للـ "لماذا؟"؟
بكل أسف وسعادة ، ليس دائماً.
لأننا أحياناً نسأل "لماذا؟" ولا نجد جواباً ، أو لا نسمعه بسبب صوت صرصار الليل ... لكننا نصبح أكثر إنسانية لمجرد السؤال ؛ حيث أننا نحاول فتح آفاق جديدة ، و الـ "لماذا؟" لا تُعطينا يقينًا ، بل هي تربينا تربية وجودية على التواضع ، و على الحيرة ، و على المساءلة ، و على مواجهة الفراغ و الخواء المتربص بنا في كل مكان! ، و هذا هو ما يجعلنا أحياء بالمعنى الحقيقي ، و نحن نحيا بالسرد ، ولكن نولد بالسؤال.
- ختامًا ، من أجل بداية جديدة أو "لماذا؟" نسأل "لماذا؟" ؟
+ نسأل لأننا نرفض أن نكون مجرد تروس في آلة ، و لأننا نبحث عن المعنى ، حتى حين يخذلنا لأننا بشر!
وكل سؤال بـ "لماذا؟" هو عدم منفتح على الوجود.
واسأل لكي لا تحاصر بـ التساؤلات المفرضة عليك.
ولا تقف جامداً في مكانك لكي لا تصبح نسأل بين "لماذا؟" نسأل "لماذا؟".
المصدر:
صـ ٣٣ ، ٣٥ – السؤال عن الشيء: حول نظرية المبادئ الترنسندنتالية عند كَنْت ؛ تأليف: مارتن هايدغر ، ترجمة: إسماعيل المصدق ، مراجعة: موسى وهبة ، المنظمة العربية للترجمة ، الطبعة الأولى-٢٠١٢ ، بيروت.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عاجل | الجيش الأميركي: قواتنا بدأت تنفيذ مزيد من الضربات ضد
.. كيف تغيرت معادلات أمن الطاقة بسبب مضيق هرمز؟
.. دوي انفجارات في سيريك وبندر عباس وجزيرة قشم جنوبي إيران
.. سيناريوهات | مصير قطاع غزة بعد قرار حماس حل سلطتها في القطاع
.. كيف صنع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني نهضة قطر ال