الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرمزية الدينية في البحر الأحمر: صراع النفوذ بوسائل غير مرئية

فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)

2025 / 7 / 24
قضايا ثقافية


لم يعد الصراع على البحر الأحمر مجرد منافسة عسكرية واقتصادية، بل بات ميدانًا متطورًا تتقاطع فيه أدوات النفوذ الناعم والرمزية الدينية والثقافية، في مشهد جيواستراتيجي متغير سريعًا. هذا الممر البحري الحيوي، الذي يربط بين الخليج العربي، القرن الإفريقي، والبحر المتوسط، يشهد اليوم سباقًا محمومًا بين قوى إقليمية تتجاوز في مقاربتها حدود السلاح والموانئ.

في خضم هذه التنافسات، تسعى دول مثل السعودية وتركيا وإيران والإمارات إلى ترسيخ حضورها في دول البحر الأحمر من خلال أدوات "غير مرئية" تمتد إلى الروابط الدينية والقبلية، والمدارس والمراكز الثقافية، والبعثات الخيرية والدعوية. فالدين هنا لا يُستحضر كعقيدة بقدر ما يُوظف كجسر اجتماعي واستراتيجي.

في السودان، مثلًا، كانت الطرق الصوفية تمثل لعقود بوابة تأثير ثقافي وروحي، وهو ما تنبهت له قوى إقليمية سعت إلى دعم هذه الطرق أو بناء علاقات وثيقة معها. كما شهدت جيبوتي والصومال منافسة حادة بين المشاريع الدينية والتعليمية الخليجية والتركية، وكل منها يقدم سردية ذات طابع حضاري يبرر بها حضوره.
أما إيران، فرغم بعدها الجغرافي، فإنها حاولت نسج خيوط من التأثير عبر دعم جماعات دينية وامتدادات مذهبية، وإن بدرجات محدودة، مستغلة في ذلك هشاشة بعض البيئات المحلية.

من جهة أخرى، تحاول السعودية ومصر الحفاظ على بعدهما العربي-الإسلامي عبر دعم المؤسسات الدينية التقليدية، في حين تقدم تركيا نفسها كقوة "عثمانية جديدة" تعيد وصل ما انقطع من روابط دينية وثقافية.

ويبرز في هذا السياق أيضًا الدور غير الرسمي للزعامات القبلية التي تمتد عبر الحدود من اليمن والسعودية إلى السودان وإريتريا، وتستخدمها بعض القوى لتعزيز شرعيتها المجتمعية بعيدًا عن الهياكل الرسمية.

هذه الأدوات الناعمة تخلق واقعًا مركبًا، لا تفسّره الخرائط العسكرية وحدها، بل تكشفه "الخرائط الرمزية" التي تعيد تشكيل الولاءات والانتماءات. والمفارقة أن هذه الأدوات قد تكون أكثر فاعلية من القوة الصلبة في المدى الطويل، إذ تبني شرعية من الأسفل، وليس فقط من فوق.

الخطر الأكبر أن يتحول هذا الصراع الرمزي إلى أداة استقطاب داخلي في دول البحر الأحمر، مما يهدد استقرارها ويضاعف هشاشتها، خصوصًا في ظل عدم وجود رؤية تنسيقية إفريقية-عربية تقود استراتيجية متماسكة في هذه المنطقة الحساسة.

باختصار، الصراع على البحر الأحمر لم يعد مرئيًا فقط، بل أصبح معركة هويات ناعمة وأجندات دينية متنافسة. وهي معركة تستحق أن تُقرأ بعين أكثر عمقًا، وأن تُدار بأدوات أكثر وعيًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز


.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ




.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟


.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا




.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس