الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تشويه العدالة أم إعادة تعريفها؟ قراءة نقدية في مقال ديفيد فرينش
فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)
2025 / 7 / 26
مواضيع وابحاث سياسية
في مقاله الأخير المنشور في نيويورك تايمز، يعلن ديفيد فرينش أن “تشويه ترامب للعدالة بلغ مرحلة جديدة”، مشيرًا إلى أن الإدارة المحتملة القادمة لدونالد ترامب لا تسعى فحسب إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، بل إلى إعادة تشكيل العدالة نفسها لتكون أداة سياسية مطواعة. في نظر فرينش، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد خروقات فردية، بل بتقويض البنية الأخلاقية للقضاء الأميركي، وتحويله إلى ذراع ولاء واستهداف. هذه الأطروحة، رغم قوتها الظاهرية، تستحق قراءة أكثر تمهّلًا، وأكثر مقاومة للانفعال.
ينطلق فرينش من مثال رمزي: توصية وزارة العدل بالسجن ليوم واحد فقط لضابط شرطة متورط في قضية مقتل بريونا تايلور. يرى أن هذه التوصية تكشف عن تحوّل في منطق العدالة: من مساءلة الجناة إلى تغطية مَن ينتمون إلى الدائرة السياسية أو الثقافية الخاصة بترامب. وهنا يُقدَّم ترامب لا بوصفه سياسيًا محافظًا تقليديًا، بل كمنظّر عدالة بديلة، لا تُبنى على القيم الدستورية، بل على منطق الولاء الشخصي والانتقام السياسي.
غير أن هذا التوصيف، رغم وجاهته من حيث رصد الأنماط الخطرة في التعامل مع القانون، ينزلق نحو التعميم. ففرينش، في مقالات سابقة، كان من أبرز المدافعين عن استقلال القضاء المحافظ، مؤكّدًا أن القضاة، حتى وإن عُيّنوا عبر مسارات أيديولوجية، يظلون ملتزمين بمبادئ فوق سياسية. فهل تغيّر السياق؟ أم أن فرينش يقرأ العدالة اليوم بعدسة الخوف من عودة ترامب، وليس بعدسة المبادئ القانونية ذاتها التي دافع عنها سابقًا؟
من جهة أخرى، يطرح مقال فرينش مفهومًا مهمًّا: العدالة كمساحة رمزية للصراع الثقافي. ما يُحاك داخل أروقة القضاء ليس فقط أحكامًا بل رسائل. عندما تُخفَّف العقوبات على المتورطين في أحداث يناير 2021، أو يُشَن الهجوم على المدعين العامين المعارضين لترامب، فإن الرسالة تتجاوز الواقعة إلى تصور جديد عن “من يستحق العدالة”، و”من يجب أن يخشاها”. وهنا لا يصبح النظام القضائي آلة تطبّق القوانين، بل مرآة تعكس موازين القوى الجديدة.
لكنّ النقد الأهم الذي يمكن توجيهه لمقال فرينش هو تجاهله لأزمة أعمق: أن العدالة الأميركية لم تكن يومًا محايدة بالكامل، وأن ما يصفه اليوم بـ”التشويه” هو في جانب منه نتيجة لتراكمات طويلة من التسييس، وإن بأشكال أقل مباشرة. في سياقات متعددة، وضمن إدارات ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، كانت العدالة تُستخدم بشكل انتقائي، سواء عبر العفو الرئاسي، أو عبر الامتناع عن الملاحقة القضائية في قضايا تتعلق بالحلفاء. إن كانت إدارة ترامب قد دفعت بهذا المنطق إلى حافته القصوى، فإن الجذر ليس وليد اللحظة، بل بنية متآكلة لم تعالج يومًا بجدية.
من هنا، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في ترامب، بل في هشاشة النموذج القضائي الأميركي أمام تغوّل السياسة، وغياب الضمانات المؤسسية الصلبة الكفيلة بصدّ هذا التغوّل. ما يخشاه فرينش، محقًّا، ليس فقط عودة ترامب، بل تحوّل المؤسسات إلى كيانات بلا ذاكرة، وبلا مقاومة، تسير وراء من يملك الصوت الأعلى.
في النهاية، يقدم مقال ديفيد فرينش صيحة تحذير مهمة، لكنه يحتاج أن يتجاوز منطق الصدمة إلى تحليل أكثر جذرية. فالعدالة لا تُنتهك فقط عندما تُحرَّف من قِبَل خصم سياسي، بل أيضًا عندما يُغضّ الطرف عن إخفاقاتها اليومية، ويتم الاكتفاء باستخدامها كسلاح في صراع النخب. المعركة ليست مع ترامب فقط، بل مع نمط متراكم من التآكل المؤسسي الذي لا ينقذه سوى إعادة تعريف جذرية للعدالة ذاتها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز
.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ
.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟
.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا
.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس