الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الأمّةُ في زمن الانكسار: كيف نبني مستقبلاً يستحق الحياة؟
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 7 / 27
السياسة والعلاقات الدولية
يسود الإحباط في أوساط المثقفين والعامة في العالم العربي على حد سواء، إحباط متعدد الأوجه، ممتد في الزمان والمكان، تغذّيه عوامل اقتصادية خانقة، وأوضاع اجتماعية مترهلة، وسياسات ثقافية وإعلامية عاجزة أو موجهة.
غير أن الجرح الأعمق يتمثل في الجرح السياسي؛ حيث تتهددُّ كرامة الأمة، وتُخنق الحريات، وتغيب الديمقراطية، ويتآكل الدور العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
لكن الأخطر، بل الأشد فتكاً، هو ما يسكن تحت السطح: الطاقة السلبية المنتشرة في أوساط الشعوب والنخب، وغياب الأمل في التغيير، والخوف من المستقبل، والانكماش النفسي أمام الواقع المأزوم!
إنها حالة من الانكفاء والتسليم بالعجز، تقتل كل بادرة للنهوض، وتعيق كل مشروع للتحول، وتشلّ حركة التاريخ في لحظة هي في أمسّ الحاجة للفعل والإبداع.
فكيف وصلنا إلى هذا المنعطف؟ وكيف يمكننا أن نُعيد توجيه البوصلة نحو مستقبل يحمل أملاً وكرامة؟ بل كيف نبني خطاباً توعوياً جديداً يحررّ الوعي، ويوقظ الإرادة، ويزرع الأمل من جديد في التربة العربية؟
علينا الاعتراف بأن الأزمة الحالية ليست طارئة أو عابرة، بل هي نتاج تراكم طويل من التهميش والاستبداد وتدمير المبادرة الفردية والجماعية، فغياب المشروع العربي الحضاري المشترك، وتفكك الدولة الوطنية، وتضاؤل الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل أدت إلى تآكل الثقة بالنفس والجماعة والمستقبل.
كما أن غياب القدوة الملهمة، في السياسة والثقافة والفكر، ساهم في تعزيز شعور الفرد العربي بأنه معزول، ضعيف، غير قادر على التأثير، ما أدى إلى تفشي مشاعر السلبية واللامبالاة والانسحاب من الشأن العام!
نحن لا نحتاج إلى خطاب عاطفي جديد بقدر ما نحتاج إلى خطاب عقلاني يحمل في طياته الأمل الواقعي والمتزن، غير المزيف، هذا الخطاب لا يتجاهل حجم التحديات، لكنه أيضاً لا يستسلم لها.
خطابٌ يقوم على إعادة بناء مفهوم الانتماء بعيداً عن الشعارات المفرغة، ويوقظ الشعور الحقيقي بالمسؤولية تجاه الجماعة والأمة والأرض والمستقبل، ويربط الانتماء بالعمل والمشاركة والبذل والعطاء.
والأمم لا تنهض دون حلم كبير، ونحن بحاجة إلى مشروع حضاري واضح، ولو كان بعيد المدى، فالرؤية الكبرى تعيد المعنى للحياة اليومية، وتخلق رابطاً بين الأجيال، ولا بد من تجديد النقاش حول سؤال قديم يُطرح باستمرارٍ: إلى أين نريد أن نذهب كأمة؟
الناس بحاجة إلى نماذج حقيقية ملهمة، تنتمي إليهم وتتحدث لغتهم، وقصص صمود ومثابرة وعمل تفتح آفاق الإبداع في مختلف الميادين، فالأمل يتكاثر حين يرى الناس أن التغيير ممكن، وأن هناك من نجح رغم الصعوبات.
المدارس والجامعات ليست فقط لنقل المعرفة، بل لبناء الوعي النقدي، وتعليم الصبر والإرادة، وغرس القيم الجماعية والروح الإيجابية، ومن الأهمية بمكان ربط مناهج التربية بمبادئ التحليل، الإبداع، المساءلة، والأمل.
وبدل إقصاء الأجيال الجديدة، يجب فتح المجال أمامها لتقود المبادرات وتشارك في القرار، وتخوض التجارب، شباب اليوم هم كتلة الطاقة القادرة على تفجير الإمكانات الكامنة إذا ما مُنحوا الثقة والمساحة.
ما هي الحلول الواقعية لإعادة الأمل والثقة؟
الحرية: حرية الرأي والتعبير والمشاركة، تهميش الاستبداد بكافة أشكاله، بناء منصات فكرية وثقافية مستقلة، وخلق مبادرات فكرية وإعلامية جديدة، يديرها المثقفون الشباب، تعمل على نقد الواقع، واقتراح البدائل، وممارسة الحوار، دون وصاية أو تابوهات.
دعم المبادرات المجتمعية المحلية، وتمويل وتشجيع مشاريع اقتصادية وثقافية واجتماعية يقودها أفراد أو مجموعات صغيرة في المدن والقرى، مما يعيد للناس الشعور بالجدوى والقدرة على التغيير.
تطوير خطاب ديني مستنير ليكون حليفاً في معركة الدفاع عن الحرية والكرامة والعقلانية، لا أداة تبرير أو تكريس للخضوع، وخلق شبكات تضامن عربية لربط المثقفين والنشطاء العرب عبر منصات مشتركة تتبادل الخبرات وتنسق الجهود وتخلق شعوراً بوحدة الهم والمصير.
ليس الأمل رفاهية نفسية، بل ضرورة حضارية، هو الشرارة الأولى في كل حركة تغيير، نعم، الواقع العربي اليوم مثقل بالهموم، لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض إلا عندما تلامس القاع، فتقررّ أن ترتقي.
إن إحياء الأمل في الأمة العربية لا يبدأ من السياسات الكبرى، بل من الإنسان العادي، من الطفل في المدرسة، والشاب في الحي، والمفكر في زاويته، والمثقف في مقاله، والمواطن في موقفهِ، إنها عملية شاملة، تبدأ من الوعي وتنتهي بالفعل.
فلنعمل على بناء خطاب جديد، عميق وواقعي، متفائل دون سذاجة، وناقد دون يأس، يزرع في النفوس إيماناً بأننا أمة لم تمت، بل تنتظر لحظة اليقظة للنهوض من جديد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين الدبلوماسية والإنذار العسكري… قطر تحاول كبح مواجهة أميرك
.. ترمب: إذا لم نذهب إلى غرينلاند فستذهب إليها الصين وروسيا
.. بيان مصري قطري تركي: نأمل أن يمهد تشكيل لجنة تكنوقراط بغزة ا
.. ترمب: تم إبلاغنا أيضا بتوقف الإعدامات في إيران وأن السلطات ل
.. العالم الليلة | حرب على إيران.. أميركا تحرك المدمرات وأوامر