الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أنا وشقيقي زياد

عبدالله عطية شناوة
كاتب صحفي وإذاعي

2025 / 7 / 27
الادب والفن


ولد بعد ولادتي بنحو ثلاث سنوات، في عائلة سطع نجمها فنياً في كل أنحاء العالم العربي، بينما العائلة الفقيرة التي ولدت فيها، كانت مغمورة تماما، نزحت من مناطق الفرات الأوسط إلى بغداد. ولأني تغذيت على حليب أمه الفني الذي تكرمت به على أجيال عديدة، ترسخت لدي مشاعر وطيدة بانها أم لي، خاصة واني قد حرمت من مشاهدة أمي البيولوجية، وأنه اخي الشقيق، رغم اختلاف مكان ولادتنا، حيث ولدت في بغداد، وولدته ، أمه بالضرورة، وأمي بالأختيار، في بيروت.
لم التقه يوما، ولا حضرت أي من نشاطاته الفنية المتنوعة، لكنني احسست دوما انه قريب مني، وأن بيننا شبها، كما بيننا تباينات لكن جوهرنا واحد، وهمنا واحد، مع اختلاف المسارات التي نمّت في كلينا هذا الجوهر.
كان عليه ان يقترب من خيارات اخرى، قبل ان يجد طريقه إلى المسار الذي يجمعنا. مال أولا إلى حزب الكتائب اليميني ذو النزعة الفاشية، بينما حصنني شقيقي الأكبر من مثل هذا الميل، وفتح وعيي باكرا على المسار الذي تعرف اليه زياد لاحقا، وسار فيه متمردا على البيئة. ولم يخل خياري الذي ورثته من شقيقي من التمرد، على بيئة التخلف.
عاش زياد هامشا من الحرية لم يتوفر لي اي نزر منه، ففيما كان هو في سن الثالثة عشر يداعب أوتار البيانو ، ليجرب أولى مراحل الانطلاق الفني المبكر، كنت في مثل سنه اجبر مقيّد اليدين، من محقق أمني، على صعود طاولة تحت مروحة سقفية لأربط فيها، وتسحب من تحتي الطاولة، وتشغّل المروحة لتدور ، ويدور معها جسدي النحيل، رويدا رويدا في البدء، ثم تبدأ في التسارع، وأغمض عيني لأتفادى النظر إلى جدران الغرفة وهي تدور، لكن ألم الكتفين يجبرني على فتح عيني مجددا، وأظلّ أدور والجدران تدور والرأس يدور ، ويسود الفراغ فأنغمر فيه، وأفيق بعد زمن لا يمكن تقديرة على دبيب حشرات لا أتبين جنسها، قريب من عيني وأعجز عن تحريك ذراعي لإزاحتها.
وبعد أُيام من جلسات مماثلة، بعضها أقسى، أنقل من مسلخ مديرية "الأمن" العامة إلى معتقل الفضيلية، معتقل لا تعذيب فيه، بل تسوده حياة أقرب ما تكون إلى معسكر أو مخيم ثقافي يديره المعتقلون أنفسهم، ندوات ومحاضرات في الاقتصاد والتأريخ السياسي والفلسفة، أماس قصصية وقراءات شعرية، نشاطات رياضية، مسابقات شطرنجية - فزت بإحداها - دورات تعليمية للغتين الأنغليزية والروسية. وغيرها كثير، لكن الأكثر إمتاعا كان في ليلة الأربعاء من كل أسبوع حيث أشارك آخرين في التسمّر إلى جانب جهاز المذياع الكبير للأستماع إلى ساعة من إذاعة الكويت مخصصة لصوت أمي وأم زياد، لتطير بي على أجنحة من خيال وهي تشدو:
"أمي نامت ع بكير
وسكّر بيي البوابي
وآنا هربت من الشباك
وجيت لعيد العزابي".
في غضون سنتي الإقامة في ذلك المعتقل "المخيم الثقافي" أبحرت في ما لا أتذكر عدده من الكتب في مختلف المجالات، أمر بني خياري، وهو خيار شقيقي زياد اللاحق، على أسس وقواعد متينة.
لكن زياد احتاج إلى بضع سنوات إضافية للتعرف إلى خيارنا المشترك الذي ساهمت في دفعنا اليه امنا فيروز، عبر مثل المحبة والمساواة والسلام، والعدل والدفاع عن كرامة الأنسان، التي ضختها الينا والى الآخرين بما ضخته من إبداع وجمال.
وازددت فخرا بزياد وبأمّنا حين تناهى إلى علمي ان زياد قد اختار ذات المسار.
انهيار التجربة الإشتراكية في شرق أوربا، بعد سبعين عاما من انطلاقها - خاصة وأن ذلك الأنهيار قد وقع وانا في موسكو، قلب تلك التجربة وقلعتها - شوش رؤيتي قليلا، وجعلني لوقت ما أتوهم، بأن الديمقراطية، بما هي تعبير عن النزوع الأنساني إلى المساواة والعدل ، ربما تكون هي الطريق للوصول إلى خيارنا الإشتراكي.
لكن الصحوة التدريجية من ذلك الوهم، جعلتني أعود إلى منطلقاتي الأولى، وتملكني فخر شديد بشقيقي زياد الذي لم تتشوش رؤيته، وحصن نفسه من الأوهام التي كان أولى مني بالوقوع فيها، لاختلاف الظروف وطرق المعيشة والمؤثرات.
لكنه كان أوعى مني ليس في هذا الجانب فقط، بل كذلك في موقفه من المقاومة وقائدها الشهيد الذي أخطأت لوقت ما في الموقف منه.
شقيقي زياد ثبت على الموقف الصحيح ولم يتزحزح، واحترمه لذلك حتى مناهضي خيارنا المشترك، رغم شدة وضوحه، وصراحته.
زياد علمني الكثير كما علمتني امنا، فيروزة هذا الزمان وكل زمان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نور محمود عن “التياترو” مفيش ليلة عرض بدخل فيها المسرح مطمن


.. فادي رأفت انضمامي لـ”التياترو” خطوة مهمة في مشواري ..ومحظوظ




.. هل الرواية الأمريكية عن انقسام المؤسسة العسكرية الإيرانية صح


.. بدأ بالتمثيل فى مسرح الجامعة .. صدفة دخلت خالد جلال عالم الإ




.. -بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع