الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-بين خطابين: حين تتحاور الحداثة والهوية-

الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي

(Echahby Ahmed)

2025 / 7 / 28
قضايا ثقافية


تداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لمناظرة جمعت بين أحمد عصيد وطلال لحلو على قناة ميدي 1 تيفي، مرفقةً بردود فعل متباينة، بين من رآها صفعة فكرية لخطاب الحداثة المعلّب، ومن عدّها استعراضًا متكلفًا للبلاغة الدينية الجديدة. الفضول جرّني لأتابع هذه المناظرة لا كمشاهد محايد، بل كمن يضع على الطاولة سؤالًا مؤرقًا: هل يمكن للعقل المغربي أن يحتمل التناقض دون أن ينفجر؟ وهل نحن أمام سجال حقيقي بين رؤيتين للعالم، أم أمام صدام تمثيلي بين خطابين فقدا ثقة الناس، لكنهما يواصلان الرقص على خشبة الإعلام؟

في زمن يُستسهل فيه تبادل الاتهامات بدل تبادل الحجج، شكّلت المناظرة التي جمعت بين المفكر أحمد عصيد والدكتور محمد طلال لحلو حدثًا استثنائيًا في المشهد الثقافي المغربي، ليس لأنها كانت سجالًا عالي النبرة، بل لأنها وضعت جمهورًا عريضًا أمام مرآتين: واحدة تعكس تطلعات الحداثة وتفكيك البنيات التقليدية، وأخرى تطرح سؤال الهوية من داخل مرجعياتها لا من خارجها.

ولعل أول ما يمكن ملاحظته في هذا اللقاء التلفزيوني، هو اختلاف منطق الحجاج لدى الطرفين؛ إذ بدا طلال لحلو متشبثًا بما يسميه "المنهج العلمي المجرّد"، حيث يُؤسّس مواقفه انطلاقًا من معطيات أكاديمية، ومراجع غربية وإسلامية على السواء، موظفًا لغة رزينة ومتوازنة. في المقابل، اختار أحمد عصيد النبرة المباشرة، ذات الطابع الخطابي الإيديولوجي، وهي نبرة لطالما ميّزت حضوره الإعلامي منذ سنوات، لكنها اصطدمت هذه المرة بخصم لا يرد بالغضب بل بالورقة والقلم.

الاختلاف لم يكن فقط في الأسلوب، بل في المرجعية الكونية التي يتحدث منها كل طرف. لحلو يصر على أن العلمانية، كما تُمارس اليوم، ليست حيادية كما تدّعي، بل تنطوي على تصوّرات فلسفية حول الإنسان والمجتمع والمعنى، وهي تصوّرات لا تتناسب دومًا مع الخصوصية الحضارية للمجتمعات الإسلامية. من وجهة نظره، لا مفر من تأصيل حداثة من داخل المرجعية الإسلامية، لا استيرادها كما هي، لئلا نقع في التبعية الثقافية.

أحمد عصيد من جهته، يدافع عن ضرورة الفصل بين الدين والدولة، معتبرًا أن استحضار الدين في الفضاء العام يكرّس السلطوية ويحدّ من الحريات الفردية، خصوصًا تلك المتعلقة بالمرأة والمعتقد. في هذا الطرح، يبدو أن عصيد يحتكم إلى النموذج الأوروبي باعتباره التجربة الوحيدة التي أثمرت تقدمًا علميًا ومؤسساتيًا، وهو ما يراه لحلو اختزالًا للتاريخ الحديث وإقصاءً لتجارب موازية لم تكتب لها فرصة الاكتمال.

ربما أكثر ما أضفى على المناظرة قيمتها هو أنها أخرجت الخطاب الإسلامي الجديد، المتمثّل في طلال لحلو، من قوقعة الدفاع ورد الفعل، إلى مجال المبادرة والهجوم الناعم. لم يكتف لحلو بدحض المقولات المتداولة عن العلمانية، بل طرح رؤية شاملة تُحاول التوفيق بين الأصالة والمعاصرة دون الشعارات المكرورة. وهو ما وضع عصيد، الذي لطالما كانت له الكلمة الأخيرة في سجالات مشابهة، في موقف دفاعي لأول مرة منذ سنوات.

غير أن الإنصاف يقتضي القول إن النقاش لم يكن متكافئًا من حيث التخصص؛ فأحمد عصيد ليس باحثًا في الفلسفة السياسية أو الأنثروبولوجيا الدينية، بل كاتب وناشط حقوقي تكونت لديه مواقف نابعة من تجربة ميدانية طويلة، لا من خلفية أكاديمية صارمة. وهو ما قد يفسّر اعتماده على بلاغة عامة دون الدخول في تعقيدات فلسفية أو نظرية.

في النهاية، أبانت المناظرة عن وجود تيارين متباينين داخل النخبة المغربية: تيار يرى أن خلاصنا في القطيعة مع الموروث، وآخر يرى أن القطيعة أخطر من الموروث نفسه. ومن المؤكد أن المغاربة، وهم يشاهدون هذا السجال، لم يخرجوا بإجابات نهائية، لكنهم حتمًا بدأوا في طرح الأسئلة الحقيقية: هل نُريد حداثة بلا جذور؟ أم جذورًا تعوق الحداثة؟ أم أنه ما يزال ممكنًا أن نزرع شجرة تُثمر من الاثنين معًا؟

هذا هو التحدي الحقيقي.
وما هذه المناظرة إلا خطوة أولى نحوه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما هي شروط طهران لاستئناف المفاوضات مع واشنطن وإنهاء الحرب؟


.. ما الذي يريد ترامب بيعه إلى شي في قمة بكين؟ • فرانس 24




.. أي تقنيات تملكها إسرائيل لصد هجمات مُسيّرات -إف بي في- التي


.. تفاهم مفاجئ بين الصين وأميركا حول هرمز.. هل تتغير قواعد اللع




.. عاجل | الرئيس الأميركى دونالد ترامب يصل الصين في زيارة رسمية