الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
فيروز تودّع نغمة قلبها.. حين بكى الصباح في حضن الوطن
حامد الضبياني
2025 / 7 / 29قضايا ثقافية
في صباحٍ لبنانيٍّ لا يُشبه الصباحات، صمتت الشمس على كتف جبل الصوان، وارتعش البحر عند خلجان الروشة، وكأن صوتًا ما قد انسحب من العالم. ليس صباحًا عاديًّا ذاك الذي ودّعت فيه فيروز ابنها، زياد، فالأمهات حين يبكين أبناءهن تُطوى في دموعهن قاراتٌ من الحنين، فكيف إذا كانت تلك الأمّ فيروز؟ وهل كان زياد مجرّد ابن؟ أم أنه كان صوتًا خرج من حنجرتها فأخذ يسير على قدمين؟فيروز، تلك السيدة التي حاكت الضوء أغنيةً، ولفّت لبنان بعطرها كأنها أرزته التي لا تسقط ولا تنكسر، كانت دائمًا صورة للوطن المشرق حتى في عز العتمة، وظلّت لعقود شمسًا تشرق من شباك بيروت كلّما ضاقت الأرض، فكيف لنا أن نتصوّرها اليوم تنحني على نعش؟ وكيف يُفهم الفقد حين يتلبّس امرأة صنعت من صبرها صلاةً على أوتار كل بيت؟
لقد كان زياد أكثر من ابن. كان الجزء الذي تمرد منها، ثم عاد، ثم هاجر، ثم كتبها موسيقىً وألّفها وجعًا، ثم صار معها ثنائياً لا يُشبه أحد. زياد لم يكن صورة مطابقة لها، بل كان ظلّها الطويل حين يميل المساء، ونقاشها المتوتر مع الزمن، ومزاجها الآخر الذي يحترق في صمت كي تبقى الأغنية عابقةً بالعطر.كان زياد يقول لها مرارًا في موسيقاه ما لم يقله لسانه، وكانت فيروز تسمعه دائمًا بقلب الأمّ الذي لا يُخطئ نبرة الألم حتى لو كانت مغلفة بسخرية، أو متنكرة بلحن غاضب. عاشا كأن بينهما بلادًا من التفاصيل، جزرًا من المشاعر التي لا تُقال، وقاراتٍ من الحب العميق الذي لا يحتاج إلى شرح، الحبّ الذي يتجاوز اللغة ويستقرّ في الطبقة الصامتة من الوجدان.
في لحظة الوداع، لم تكن فيروز تغني، بل كانت تصمت.. وهذا بحدّ ذاته نشيد، فصمتها أبلغ من ألف غناء، وصورتها المنحنية على تابوت ابنها تشبه خريطةً للوطن المفجوع. هل بكت؟ ربما، ولكن لا أحد رأى دمعها، ففيروز تعرف أن الدمع حين يسقط من جبل، يصير نهرًا لا يهدأ.
كان وداعها له وداع الأرز لنسيمه، والعود لصوته، وكان وداع لبنان لمرآته العاكسة. كم أغنيةٍ كتباها معًا، وكم لحنًا ولد بينهما مثل طيفٍ مرّ في الصالون ثم خرج ليعيش في قلوب الناس! من "بما إنو" التي غنّت فيها فيروز الحزن بأبجدية جديدة، إلى التوزيعات الجريئة التي كانت توقيع زياد على جبين الأغنية اللبنانية.وفي النهاية، لم يكن زياد فنانًا عاديًا. بل كان غيمةً متمرّدة تشتهي دائمًا أن تمطر خارج توقيت الطقس. لم يرضَ أن يكون في ظلّ أحد، حتى وإن كانت فيروز، فصار ظلًّا لا يُمحى، وجرحًا موسيقيًا له نكهةٌ لا تنتهي. تحدّى الجميع، كتب عن الوطن الموجوع، سخر من السياسة، من الطائفية، من العتمة، من الحرب، لكنه حين كان يعود إلى البيت، كان طفلًا فيروز تسمّيه "زيّو" وتنتظر منه قبلة المساء.وهكذا، حين سقطت الستارة الأخيرة، لم يكن الأمر موتًا فقط. كان صمت مسرحٍ ضجّ نصف قرن، وكان انطفاء وترٍ ظلّ ينبض حتى اختنق. وها هي فيروز، الآن، جالسةٌ قرب صورته، تُشعل البخور وتغنّي له في سرّها:
"يما ويا يما.. راحوا الحبايب"ثم تصمت، وتضع يدها على قلبها، لا لتتألم، بل لتحتفظ بالنغمة الأخيرة، نغمة زياد، ذاك الطفل الذي صار فنانًا، ثم وطنًا، ثم غاب.لبنان كله شاهد ذلك الوداع. بيروت بكت، وصباحات الأشرفية خففت من ضجيجها، ودالية الروشة لبست الأسود، وكأن أمًّا اسمها فيروز قد فقدت قطعةً من سمائها.
الفنّ لا يموت، نعم، ولكن الفنان يُوجع حين يغادر. وزياد كان وجعًا استثنائيًا، لا يُكتب عنه في صفحات النعي، بل يُغنّى.واليوم، تبقى فيروز — الأم والوطن والرمز — تمشي وحدها في طريق الحنين، تحمل تابوت الأغنية على كتفها، وتُكمل الدرب نحو صباحٍ لا نعرف متى يشرق من جديد. لكننا نعلم، تمامًا، أن الصوت الذي بكاه الجبل والعود، سيبقى يرنّ فينا ما دامت أمٌّ تُغني، وما دامت فيروز تنظر إلى السماء وتقول: "سلامٌ لك يا ابني.. فقد سكنت الموسيقى".
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أميركا تعلن الحرب على الجنائية الدولية.. هل توجه الضربة القا
.. الأرجنتيني ميسي يواجه المنتخب الإنجليزي للمرة الأولى في مسير
.. حصار هرمز يشعل المواجهة.. ما أوراق إيران للرد؟
.. سفيرة سويسرا لدى دولة قطر:الشيخ حمد بن خليفة وضع أسس قطر الح
.. بعد إعلان واشنطن قدرتها على توجيه ضربات فتاكة.. إلى أين يتجه