الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-شهرة على مقاس العُري… ومثقفٌ خلف الستار-

حامد الضبياني

2025 / 7 / 30
قضايا ثقافية


في الزمن الذي تُعلَّق فيه الشهرة على أكتاف السطحية، وتُمنَح فيه المنابر لمن لا يجيد غير التطبيل، يصبح السؤال عن غياب الأقلام الجادة والمواقف النبيلة ضربًا من السذاجة… فليس كل من كَتب يُقرأ، وليس كل من ظهر يُرى.
سألني أحدهم ذات مرارة: لماذا لم تنل من الشهرة ما ناله أولئك الذين لا يمتلكون من أدوات الفكر شيئًا سوى أنامل طرية للتصفيق، وألسنة ماهرة في مدح القبح وتجميل القذارة؟
فابتسمتُ كما يبتسم من يدرك أن النجوم لا تظهر في وضح النهار، وقلت: لأنني لا أجيد التملّق، ولا أملك موهبة الزحف تحت الأقدام، ولم أتعلم يوماً أن أقول للأعور: "ما أكملك!"
الشهرة اليوم لم تعد تُمنح للكلمة الطاهرة ولا للفكر العميق، بل تُفصَّل حسب مقاس الفضيحة، تُربَط بحبال السهرات الفاسدة، وتُعبَّد طرقها بكؤوس الليل، وملامح الممثلات خلف كواليس مهترئة تستّر فسادًا لا يُروى.إنه عصرٌ صار فيه الاتجار بالجسد وسيلة لصعود البرامج، والتنازل عن المبادئ هو بوابة العبور نحو الشاشة، أما الصدق فهو تهمة، والشرف خطيئة، والمواقف النزيهة… مشاريع إعدام.أيّ زمنٍ هذا الذي صار فيه القلم النزيه أشبه بالحجر الملقى في النهر، لا يُحدث صوتًا، بينما تُقام المهرجانات لأشباه الكُتّاب ممن لا يعرفون الفرق بين المجاز والمعازف، بين الإبداع والانبطاح؟زمنٌ تزيّنت فيه الرداءة بألوان فاقعة، واعتلت فيه منصات المجد وجوهٌ تعرف فنون الرقص أكثر من قواعد النحو.أنا لست نبيًّا، ولم أدّعِ الطهارة الكاملة، ولكني رجلٌ نشأ في ظلال نخلةٍ تعرف معنى العطاء دون ضجيج، بين أمٍّ فلاحةٍ لا تملك من الدنيا إلا دعاءً نقيًّا، وأبٍ علّمني أن الكرامة لا تُقسّط، وأن الشرف لا يُساوَم عليه في الولائم، وأن البنت ابنة الجميع، وعرض الجار عرضك، وحرمة البيت لا تُنتهك مهما علت المغريات.
نعم، في بيئتنا لم نكن نعرف كيف نبيع الضمير، ولا كيف نحترف فنون الابتذال، لم نربِّ أبناءنا على أن التنازل عن الأخلاق هو مفتاح النجاح، بل علمناهم أن السقوط لا يليق إلا بالفاقدين لكل قيمة، وأن الصعود لا يكتمل دون ضميرٍ يُصاحب الخطى.وهكذا، لم نكن يومًا في قوائم البرامج، ولم تُعرض علينا عقود الإعلانات، لأننا لم نحترف التطبيل، ولم نصبح جسرًا لعبور من لا يستحق، رفضنا أن نكون وسطاء للرذيلة، ولم نلبس وجهين لنرضي الجميع.في هذا الوسط، كلّما اقتربت من الطهر، ابتعدت عن الشهرة، وكلّما حفظت مبادئك، تمّ تحنيطك في أرشيف المنسيين.وأصبحت الشهرة لا تُقاس بعدد الكتب ولا بالمقالات، بل بعدد الصور، و"الفلترات"، وعدد الراقصات حولك، وحجم الصخب المصاحب لظهورك. أما إن كنت صاحب فكر، حاملًا لهمّ الوطن، ومؤمنًا بكرامة الكلمة… فمرحبا بك في العزلة، حيث لا كاميرا تراك، ولا قناة تستضيفك، ولا عشاء يدعوك.إنه زمنٌ يصعد فيه التافهون كالنار في الهشيم، بينما يُحاصر الكبار خلف أبوابٍ موصدة، يحتسون الصبر في عزلةٍ عفيفة، لأنهم حافظوا على كرامتهم، على ملامحهم الحقيقية التي لم تمسسها صفقات الفنادق ولا موائد الليل.نعم، في هذه البلاد، يتم اغتيال المثقف النزيه بألف طريقة، تبدأ بتهميشه وتنتهي بإقصائه، وتُزرع الوجوه الكاذبة في الواجهة حتى لا ينكشف وجه الحقيقة. الحقيقة التي باتت قبيحة في أعينهم لأنها لا تدرّ أرباحًا.
أما نحن، فنعيش كما يعيش الأنقياء… دون شهرة، لكن بضميرٍ لا ينام. نكتب لا لنصعد، بل لنُبقي الحقيقة حيّة، نخطّ حروفنا لا لنُرضي القنوات، بل لنُدين الصمت، ونقول بأن الكلمة… ما تزال شريفة، رغم أنف السوق.
وإن ماتت الشهرة فينا،
فالحمد لله، الكرامة ما زالت تتنفس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحرب في الشرق الأوسط: نتانياهو بين الضغوط الداخلية والخارجي


.. باريس وبرلين تتخليان رسميا عن برنامج تطوير مشترك لطائرة مقات




.. ألبوم -LANDSCAPES OF ETERNITY-: رحلة موسيقية وروحية في أرجاء


.. سوريا: -نحن مهمشون بالكامل-.. المنسيون في مخيمات النزوح على




.. الذكاء الاصطناعي يصل للبورصة وول ستريت تستعد: OpenAI تدخل سب