الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


موت الوطن - إلى الذين لا يعرفون بعدُ لماذا هم هنا...

هاني صالح الخضر

2025 / 7 / 30
الادب والفن


كان الوطن
مثل دفترٍ في جيب الجندي،
صفحاتُه مبتلّةٌ،
والحبرُ يسيلُ
كما تسيلُ الذاكرةُ في الشتاء.
لم يمت بقذيفةٍ
ولا بانفجار الحافلة،
ولا في تقريرٍ أُمميٍّ منسيّ،
مات كما تموتُ النباتاتُ المنزلية
حين يسافرُ أصحابُها
دون أن يوصوا بها أحدًا.
________________________________________

الذين أحبّوه،
لم يعلّقوا صورَه على الحائط،
بل دسّوه في جيوبهم الصغيرة،
مع الملح،
ومفاتيح البيوت المغلقة،
وأغنيةٍ
لا يُعرف مطلعُها.
________________________________________

أما الآخرون...
فقد أقاموا له حفلَ تأبينٍ
في فندقٍ ناعم،
وزّعوا على الضيوف كتيّبًا
عن فضائل الغياب،
ثم شربوا النبيذ
وذهبوا ليناموا مبكرًا.
________________________________________

رأيتُ الوطن
يُباعُ على الأرصفة،
في جوازاتٍ بلا صلاحية،
ومُعلّبًا في تصريحاتٍ مُنمّقة
تُكتبُ ليلًا
في غرفةٍ ذات ستائر سميكة.
________________________________________

سمعتُ مَن قال: "أنا المعارضة!"
كان يلمّعُ حذاءَه الجديد،
ويقرأ عن أطفال الخيمة
من جهازٍ مضيء، لا يصلُ صوته إلى الموقد.
أما الأم،التي نسوا اسمها…
فقد كانت تقشّرُ البصلَ بيدٍ واحدة،
وتنفضُ الرماد عن وجهِ الرضيع.
________________________________________

مات الوطن
حين ارتدى شيخُ الحيّ بزّةً سوداء،
وصار يتحدّثُ عن الله
كما يتحدّثُ سمسارٌ في سوقٍ راكدة.
وحينَ سُئل:
من قتلَ أخاك؟
قال: اسأل الريحَ
والظلَّ في الزاوية.
________________________________________

في الشارع
كان المارّةُ
يُسألون عن جهاتهم
قبل أن يُسمَح لهم بالمضيّ.
وفي المقهى، يكتب الجميع قصائد عن "الأرض"،
لكن المقعدَ محجوزٌ للسائح، والجارُ
ينتظرُ على السطح.
________________________________________

الخرائط
لم تعُد تشير إلى نهرٍ أو جسر،
بل إلى عدد الشهداء،
ونِسبَةِ التصويت
في منطقةٍ لا تصلها الكهرباء.
________________________________________

هل مات الوطن؟
ربما…
لكنه لم يُدفن بعد،
فالذين باعوه
ما زالوا يرفعون صوته كرايةٍ
في قاعةٍ مكيّفة،
يحتسون القهوة
ويخطّطون لإعادة الحياة
على أوراقٍ بلا تراب.
________________________________________

أما أنا،
فما زلت أفتّش عنه
في أعين الغرباء،
في لهجةِ الحلاق،
في دفءِ غريبٍ يقدّم الشاي،
وفي رغيفِ الخبزِ
حين يفوحُ منه
اليانسون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مهرجان الجونة السينمائي ..أمينة خليل تروي تفاصيل لأول مرة عن


.. أمير المصري من الجونة السينمائي يتحدث عن تجربته في التمثيل خ




.. وقع من الشباك??.. حكايات غريبة مع الفنان محمود ياسين وهو صغي


.. مدير الأكاديمية العسكرية: نستهدف إعداد ضابط مقاتل محترف يمتل




.. أصعب لحظة على الفنان محمود ياسين لما عرف خبر مرض والدته بالس