الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لماذا يكتب مستقبل فلسطين بغير الحبر العربي؟

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 7 / 30
القضية الفلسطينية


في جغرافيا السياسة المعقدة للشرق الأوسط، لا وجود لفراغ. كل انسحاب هو في جوهره تسليم للمواقع، وكل صمت هو إذن للآخرين بالصراخ. ولزمن طويل، اختارت قوى عربية وازنة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، مقاربة "المتفرج الحذر" تجاه القضية الفلسطينية. اكتفت الرياض بدور المراقب الذي يُصدر بيانات بروتوكولية، ويقدم دعماً مالياً، دون أن تترجم ثقلها السياسي والديني إلى فعل استراتيجي حقيقي على الأرض. لكن هذا التكتيك، الذي ربما كان يهدف إلى تجنّب التعقيدات، تحوّل إلى خطأ استراتيجي، ترك الساحة مفتوحة أمام قوى إقليمية أخرى برعت في ملء هذا الفراغ.
أدركت طهران منذ عقود أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع حدودي، بل هي أقوى أصل رمزي في العالمين العربي والإسلامي. منذ ثورة 1979، وضعت فلسطين في قلب خطابها السياسي، فحولت السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة فلسطينية، وأعلنت "يوم القدس العالمي"، وأسست "فيلق القدس" كذراع لدعم حركات المقاومة.
لم يكن هذا النهج بدافع العاطفة فقط، بل جاء ضمن حسابات دقيقة:
أولا- كسب الوجدان العربي: عبر تبني خطاب المقاومة، قدّمت إيران نفسها كطرف حاضر حيث غاب العرب، خاصة بعد خروج مصر من معادلة الصراع المباشر باتفاقية كامب ديفيد.
ثانيا- تعزيز نفوذها الإقليمي: استفادت إيران من القضية الفلسطينية كورقة قوة تضاف إلى أدواتها في الساحة الإقليمية.
ثالثا - ورقة تفاوضية دولية: أصبح دعم الفصائل الفلسطينية أداة فاعلة في معاركها مع الغرب وإسرائيل، لا سيما في ملفات حساسة كالبرنامج النووي.
هكذا، لم تترك طهران مساحة فارغة، بل ملأت غياب الدور العربي بخطاب وممارسات أثّرت بعمق في المشهد الإقليمي.
في المقابل، يبدو أن الرياض بدأت تدرك خطورة هذا الغياب. لهجتها باتت أكثر وضوحًا، وخطواتها أكثر حضورًا، كما في رعايتها المشتركة مع فرنسا لمؤتمر حل الدولتين في نيويورك. وفي تموز/يوليو 2025، شاركت مع 16 دولة أخرى في دعوة حركة حماس لتسليم سلاحها للسلطة الفلسطينية ضمن رؤية موحدة للدولة. ورغم أن هذه خطوة إيجابية، إلا أنها تبقى متواضعة قياسًا بما تفرضه التحولات المتسارعة على الأرض.
فالواقع لا ينتظر: إسرائيل تواصل فرض وقائع جديدة بسياساتها التوسعية، وقوى إقليمية تبني نفوذها من خلال خطاب المقاومة، فيما يظل الموقف العربي محصورًا في دائرة المؤتمرات والبيانات.
الحقيقة التي أثبتها التاريخ المعاصر أن أي تحرك عربي فاعل لا ينجح دون شراكة حقيقية بين القاهرة والرياض. غياب هذا التنسيق حوّل القضية الفلسطينية، بل والقضايا العربية عمومًا، إلى ملفات مفتوحة للتدخل والابتزاز من الخارج، سواء من القوى الكبرى أو من القوى الإقليمية التي تملأ فراغ الغياب العربي.
مصر بدورها تبذل جهودًا حثيثة، خصوصًا في ملفات الوساطة ووقف إطلاق النار في قطاع غزة وإدخال المساعدات لأهاليه، لكنها غالبًا ما تأتي كردود فعل لأزمات متفجرة، لا كجزء من رؤية استراتيجية متكاملة.
والسؤال اليوم: هل تدرك الرياض والقاهرة أن تجاهل القضية الفلسطينية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح خسارة استراتيجية يومية؟ إن كل يوم يمر دون فعل عربي موحد وقوي هو تنازل إضافي عن أوراق القوة لصالح لاعبين آخرين.
إن استعادة زمام المبادرة لا تتحقق بالشعارات، ولا بالمؤتمرات التي لا تملك آليات تنفيذ، بل تبدأ من صياغة استراتيجية عربية موحدة تتجاوز الخلافات التكتيكية وتضع رؤية عملية للقضية الفلسطينية. ومن استخدام أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية التي تملكها دول عربية كبرى لفرض تكلفة حقيقية على الاحتلال. ومن تقديم بديل عربي جاد يثبت حضوره إلى جانب الشعب الفلسطيني، ويجعل الرهان على غير العرب خيارًا أقل جدوى.
إن لم تتحرك العاصمتان العربيتان الأهمّ في أسرع وقت، فإن مستقبل المنطقة سيظل مرتهنًا بقرارات الآخرين، فيما يقف العرب متفرجين على قضيتهم المركزية وهي تُستنزف حتى آخر قطرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 6 صواريخ تستهدف محيط جزيرة قشم ومؤشرات على اشتباكات بحرية جن


.. سياق الحدث | سيناريوهات التصعيد مع توسيع الحرس الثوري لبنك أ




.. الهجمات بين روسيا وأوكرانيا تستهدف بنى تحتية ومنشآت طاقة


.. مكفوفو إندونيسيا يواجهون صعوبات في الحصول على فرص عمل




.. خارج حسابات هرمز.. واشنطن تستهدف ميناء تشابهار الإيراني الاس