الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عبر الطبق والقلم: تأملات في فلسفة النجاح مع الدكتور مزوار محمد سعيد

مزوار محمد سعيد

2025 / 7 / 30
قضايا ثقافية


في أحد أيام ربيع لندن، جلس الدكتور مزوار محمد سعيد، الفيلسوف الجزائري الحاصل على الجنسية البريطانية، داخل أحد أشهر وأرقى مطاعم العاصمة: مطعم "أكاسيا هاوس" (Acacia House Restaurant)، الواقع في شارع باسكورت ستريت (Basquor Street) قرب حي تشيلسي الراقي. تأسس المطعم في عام ١٩٩٨، واشتهر بديكوره الداخلي العريق: طلاء جدران بلون عنابي مع قطع فرنسية عتيقة تعود للقرن التاسع عشر، وطاولات خشبية داكنة من خشب البلوط، مزينة بشمعدانات برونزية متوهجة. يدخل الضيوف عبر مدخل حجري منحوت بأقواس تطل على شارع مكتظ بأشجار الزان الملكي، ما يضفي على المكان هدوءاً وأناقة مميزة.

يحمل هذا المطعم تاريخًا خاصًا: كان في البداية بيتًا خاصًا لعائلة أرستقراطية بريطانية، ثم تحوّل إلى نُزُل صغير في خمسينات القرن الماضي، ومنه تطور عام ١٩٩٨ إلى مطعم عالمي يستقطب المفكرين والكتاب من شتى حدّات العالم. شارع باسكورت نفسه يُعرف بمحلات الكتب القديمة وصالونات الأدب، ما يجعله المكان المثالي لنقاشات مثل التي خاضها الدكتور مزوار.

جلس في ركن شبه منعزل، أمامه كوب إبريق شاي إنجليزي ذو أوراق شائبة، ومعه طبق صغير من الفطائر المحشوة بالتوت البري. بدأ حديثه معمقًا، وهو يمزج بين فلسفة كيركغارد وفينومينولوجيا إدوموند هوسرل، متأملاً فكرة النجاح وفق قراءة جديدة من خلال أفكار سيغموند فرويد.

استهل تأمّلاته مستندًا إلى كيركغارد: النجاح، يقول، ليس حالة ثابتة تُقاس من منظور اجتماعي أو مادي، بل “قفزة إيمانية” – القفزة الذاتية التي يقدّم فيها الفرد على التميّز عبر مواجهة القلق والوجود. يرى كيركغارد أن الفرد يختار وجوده بحرية مطلقة، رغم الرغبة المشتركة بأن يكون مقبولاً اجتماعًا.

ثم انتقل إلى الفينومينولوجيا، مركزًا على تجربة الوعي الحيّة؛ كيف ندرك النجاح، وكيف يبني كل منا داخله شعور الانجاز. هنا يُنظر إلى النجاح كخبرة معيشة، تشير إلى نمط وعي، وليس مجرد نتيجة. فالفينومينولوجيا تحثنا على الانتباه لكل لحظة شعور بالنجاح: إحساس القلب ثم حركة العزم.

وفي جسر فلسفي جريء، دمج الدكتور مزوار بين هذين الاتجاهين وبين تحليلات فرويد للذات اللاواعية. قال: إن الإحساس الحقيقي بالنجاح لا يُقرّ فقط من معيار اجتماعي، بل يُولد من صراع نفسي داخلي، حيث يتصارع الأنا الواعية مع اللاوعي الدافع. فالإنسان يطمح بوعيٍ إلى القفزة الوجودية (وفق كيركغارد)، ويعيّشها من خلال وعيه كما يُلهِجه الفينومينولوجي، ولكن اللاوعي الأبوي أو الثقافي – الذي درّبه المجتمع – يُدخل شكوكًا وتعويقات نفسية تُمحور حول الخوف من الرفض أو الفشل. هذا الصراع اللاواعي هو ما يجعل النجاح ذاتيًا بامتياز: هو في النهاية رغبة الفرد في تحقيق صورة مثالية داخله، لا في عيون الآخرين.

بين رشفة الشاي وقطع التوت، رسم الدكتور مزوار مثالًا حيًا من حياته: كم من مرّة حصل على مقالة فلسفية منشورة في مجلة دولية مرموقة، والاحتفاء الاجتماعي تلاه شعور داخلي بأنه لم يرقَ لمستوى ذاته الكاملة. هنا التناقض بين المعيار الخارجي (نشر المقال) والضوء الداخلي الذي لا يزال غير راضٍ، وهو الشيء الذي يذكر بتوجّهات فرويد في فكرة الأنا العليا التي لا ترضى.

ثم عرج إلى فكرة النجاح المجتمعي: لماذا يرى المجتمع أن من نجح هو من يملك المال أو الشهرة؟ لماذا لا يعترف بالفيلسوف الذي يعيش في مركز بحث عالمي في أيرلندا، يُضيء عقلًا دون ضجيج؟ هنا استعان بكيكرغارد مجددًا، ليؤكد أن القفزة الحقيقية تشير للداخل أولًا، ثم تتبعه العيون إن شاءت. وأوضح أن الفينومينولوجيا تساعدنا على تمييز اللحظة الذاتية لتجربة النجاح، بينما فرويد يكشف الحواجز الداخلية النفسية التي قد تعيق الإدراك الكامل لهذه اللحظة.

انتهى حديثه وهو يتأمل النوافذ المقوسة للمطعم، حيث خيوط الشمس الهادئة تتسلل بين الزجاجات القديمة. قال بصوت موجز: “إن النجاح أخيرًا هو أن تنام وفي قلبك قناعة أنك وفّرت حقك في أن تكون نفسك، لا نسخة تسرّ الآخرين، بل أنت – كما اختارك – تعيش قفزتك.” رفع فنجان الشاي معلنًا نهاية لحظته الفلسفية، مبتسمًا بعينين لطيفتين تعكسان محبة المعرفة الصامتة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الناتو يتحدى ضمانات بوتين الأمنية.. ماذا يعني تحريك قواته ال


.. لماذا اختارت إيران التصعيد العسكري في هذا التوقيت؟




.. دوي انفجارات في منطقة القدس إثر هجمة صاروخية من إيران


.. ما تأثير -التصعيد المحدود- بين إسرائيل وإيران على المفاوضات؟




.. إنذار مبكر بشمال إسرائيل بعد رصد إطلاق صواريخ من إيران