الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تقارب الضرورة: سوريا الجديدة وإسرائيل بين تفاهمات أمنية وحسابات دولية

خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)

2025 / 7 / 31
مواضيع وابحاث سياسية


سوريا الجديدة وإسرائيل – تحول أم ظرف؟

منذ تولّي أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية في سوريا، بدأت ملامح تقارب حذر وواقعي بين دمشق وتل أبيب تتبلور، في سياق إقليمي يتغيّر بسرعة ويعيد رسم خرائط التحالفات والأولويات. هذا التقارب لا يحمل ملامح "سلام شامل" كما في التسعينيات، بل هو أقرب إلى تفاهمات أمنية اضطرارية، تفرضها التوازنات العسكرية في الجنوب السوري والضغوط الدولية المتزايدة.




أولاً: الأهداف – بين تهدئة الحدود وإعادة التموضع

يتمحور التقارب الحالي بين سوريا وإسرائيل حول أهداف أمنية وسياسية تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية، وأبرزها:

احتواء التصعيد العسكري: يأتي في طليعة هذه الأهداف منع تحوّل الجنوب السوري إلى ساحة مواجهة مفتوحة، في ظل تصاعد الغارات الإسرائيلية وضربات الطيران على مواقع قرب دمشق والسويداء ودرعا.

ضبط الحدود الجنوبية: تبحث الأطراف في إنشاء "منطقة أمنية عازلة" تمتد من الجولان إلى درعا، تُحظر فيها أي أنشطة عسكرية أو تسليح لمجموعات مناهضة لإسرائيل.

إعادة التموضع الإقليمي بعد سقوط النظام السابق: يحاول النظام الانتقالي بقيادة الشرع أن يقدّم نفسه كسلطة مسؤولة يمكن التعامل معها، خاصة في ظل التراجع الحاد للنفوذ الإيراني وتزايد الضغط الدولي لإخراج الميليشيات.

الحد من الوجود الإيراني وحزب الله: يشكّل هذا البند مطلبًا إسرائيليًا أساسيًا، خصوصًا مع إصرار تل أبيب على ألا يُعاد إنتاج نموذج شبيه بجنوب لبنان في القنيطرة ودرعا.





ثانيًا: الوسطاء والمنصات – من باكو إلى واشنطن

يتموضع التقارب ضمن شبكة إقليمية ودولية من الوساطات والضغوط:

تركيا وأذربيجان: استُخدمت باكو كمنصة للقاءات غير معلنة، برعاية تركية وأوروبية، لتجاوز الحساسيات المباشرة، وفتح قناة خلفية تسمح بتفاهمات غير رسمية.

الولايات المتحدة والدول الخليجية: لعبت واشنطن دورًا محوريًا في كبح الهجمات الإسرائيلية لفترات محددة مقابل تقديم الشرع ضمانات أمنية، كما مارست ضغوطًا على حلفائها الخليجيين لتقديم دعم مالي محدود لدمشق مقابل انفتاحها على التفاهم مع تل أبيب.

لقاءات مباشرة محدودة: جرت لقاءات جمعت أحمد الدالاتي، مستشار الشرع الأمني، بمسؤولين إسرائيليين في عواصم أوروبية، ضمن إطار أمني محدود، هدفه ضبط الجبهة الجنوبية ومنع التصعيد.





ثالثًا: التحديات والملفات العالقة

1. موقف الشارع السوري

لا تزال قطاعات واسعة من السوريين ترى في إسرائيل كيانًا معاديًا مسؤولًا عن النكبة الفلسطينية وعن دعم مباشر وغير مباشر لتفتيت المنطقة. وبالتالي، يُعدّ أي تقارب سياسي علني بمثابة مقامرة بشرعية الشرع الداخلية، خاصة بعد فقدان ثقة طويلة الأمد بالأنظمة.

2. الملف الإيراني وحزب الله

رغم تراجع النفوذ الإيراني، فإن وجود حزب الله في الجنوب لا يزال قائمًا، ويُعدّ من أبرز العقبات أمام تنفيذ أي اتفاق ميداني واسع مع إسرائيل. كما أن الحزب يحتفظ بعلاقات مع بعض فصائل السويداء ودرعا، مما يضعه في موقع تأثير غير مباشر على المعادلة الأمنية.

3. ملف الجولان

تبقى قضية الجولان المحتل العقدة الكبرى أمام أي تطبيع رسمي، إذ لا تستطيع السلطة الانتقالية تجاوز هذا الملف دون تفريط وطني واضح، وهو ما سيُقابل برفض شعبي كبير حتى داخل معسكر أنصار الشرع.




رابعًا: الرهانات الإسرائيلية على الشرع

من منظور إسرائيلي، يُعد أحمد الشرع فرصة مؤقتة لاستثمار الوضع السوري الجديد، لكنه ليس شريكًا استراتيجيًا موثوقًا بعد. تراهن تل أبيب على استمرار ضعف الدولة المركزية في دمشق، مما يسمح لها بإبقاء الجبهة الجنوبية هادئة دون تقديم أي تنازلات حقيقية بشأن الجولان أو تطبيع شامل.




خامسًا: التوقعات – سلام بارد أم تهدئة مؤقتة؟

تفاهمات أمنية بلا سلام سياسي: من المرجح أن تستمر القنوات غير المباشرة وتنتج تفاهمات ميدانية، دون توقيع اتفاقيات دبلوماسية أو رفع مستوى العلاقات.

تعميق النفوذ الأميركي: سيسعى النظام السوري الجديد لشرعنة بقائه عبر الانفتاح على الغرب والخليج، مقابل الامتثال للمطالب الأمنية الإسرائيلية.

غياب حسم في ملف التطبيع: مع بقاء قضية الجولان والشارع العربي على طاولة الرفض، لن يشهد الملف السوري–الإسرائيلي تطبيعًا مباشرًا في المدى القريب، بل سيبقى محكومًا بمنطق "خفض التصعيد" و"ضبط التوتر".

بقاء المقاومة في الحساب: بقاء حزب الله على خط المواجهة مع إسرائيل في الجنوب اللبناني يُصعّب أي محاولات لعزل الجبهتين أو فرض حلول أحادية في سوريا، خصوصًا إذا ما اعتبرت المقاومة أن هذا التقارب جزء من مشروع أوسع لتفكيك محورها.





خاتمة: بين الواقعية السياسية والضغوط الخارجية

التقارب الراهن بين أحمد الشرع وإسرائيل ليس تعبيرًا عن تغيير جوهري في العقيدة السياسية أو انقلاب على ثوابت سوريا، بل هو جزء من واقعية اضطرارية فرضتها موازين القوى، وضغوط الحلفاء الجدد، والسعي لاكتساب شرعية خارجية. لكن أي تقارب لا يستند إلى إرادة وطنية حرة، ولا يُراعى فيه إرث الصراع التاريخي، يبقى هشًّا ومؤقتًا، رهن التحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة والعالم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تقارب الضرورة
جلال عبد الحق سعيد ( 2025 / 8 / 1 - 00:14 )
كفى خداعا للجماهير
كفى
واحد يصف احمد الجولاني بأنه روبين هود سورية
وواحد يحدثنا تقارب الضرورة
تقارب الضرورة أم تقارب الضروطة
ذكرتني
بمقولة
انكار المعلوم من الدين بالضروطة

اخر الافلام

.. إطلاق نار في وسط إسرائيل والشرطة تعلن -تحييد- المنفذ


.. الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض مقذوفين أُطلقا من لبنان




.. حرب كاراباخ تلقي بظلالها على الانتخابات البرلمانية في أرميني


.. سلاح حزب الله ومعادلة الدولة.. هل يقترب لبنان من لحظة الحسم؟




.. الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض صاروخين أطلقا من لبنان