الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
إعادة رسم النفوذ: أوروبا و أمريكا في معترك التوازنات الجديدة بشمال أفريقيا
حمدي سيد محمد محمود
2025 / 7 / 31مواضيع وابحاث سياسية
د حمدي سيد محمد محمود
تتداخل عدة عوامل دولية وإقليمية في صياغة التوجهات الاستراتيجية لكل من أوروبا والولايات المتحدة نحو الساحل الشمالي الإفريقي، وهي توجهات لم تعد تنبع فقط من ضرورات الجوار الجغرافي أو الحسابات الاقتصادية التقليدية، بل باتت تتحدد وفق منظومات أمنية وجيوسياسية معقدة تتفاعل فيها قضايا الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، وتنافس القوى الكبرى، وتغير المناخ، والتحولات التكنولوجية، خاصة في مجالات الطاقة والرقمنة. هذا التداخل البنيوي بين المستويين الدولي والإقليمي يعيد رسم خطوط النفوذ والسيطرة في هذه المنطقة ذات الأهمية الجيوستراتيجية البالغة، والتي تربط ضفتي البحر الأبيض المتوسط وتمثل بوابة عبور محورية بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء.
فعلى المستوى الدولي، تشكل المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، من جهة، وبين روسيا والدول الغربية من جهة أخرى، عاملاً ضاغطًا في تحديد ملامح الاستراتيجية الغربية إزاء شمال أفريقيا. فالولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة كجزء من فضاء أوسع يمتد من الساحل الأطلسي إلى الشرق الأوسط، وتُدرجها ضمن استراتيجياتها الهادفة إلى تقليص نفوذ بكين وموسكو في القارة. في هذا الإطار، تركز واشنطن على تعزيز الشراكات الأمنية الثنائية، مثل تلك القائمة مع المغرب وتونس، وتوسيع نطاق التعاون الاستخباراتي والعملياتي، خاصة في مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، والحد من الهجرة، ومراقبة التحركات الروسية والصينية في البنية التحتية الحيوية والموانئ والمجالات السيبرانية.
في المقابل، تنظر أوروبا إلى شمال أفريقيا من منظور أكثر ارتباطًا باستقرارها الداخلي، حيث تمثل دول المغرب العربي حاجزًا أمنياً أولياً ضد موجات الهجرة، وتحديات التهريب العابر للحدود، والنشاطات الإرهابية، فضلاً عن كونها مزودًا مهمًا للغاز الطبيعي والطاقة المتجددة في ضوء مساعي القارة للتحرر من التبعية للغاز الروسي. وقد أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا ترتيب أولويات بروكسل، فبات تعزيز الشراكات مع الجزائر، كمصدر طاقة بديل، ومع المغرب، كمركز لوجستي واستثماري، أمرًا ذا أولوية ملحّة. كما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى ترسيخ نماذج "الاستقرار المُدار" في المنطقة، عبر دعم حكومات قوية قادرة على احتواء الأزمات الداخلية، حتى وإن كانت بعيدة عن المعايير الديمقراطية الأوروبية.
إقليميًا، تشكل التوترات الداخلية في دول شمال أفريقيا، وتنافس الأدوار بين الفاعلين المحليين (مثل الصراع المغربي-الجزائري، وعدم الاستقرار في ليبيا، والتحولات في تونس)، عناصر تؤثر في مدى قابلية تلك الدول للانخراط في استراتيجيات الغرب أو مقاومتها. فبينما تبدي الرباط انفتاحًا متزايدًا على الشراكة مع الغرب، بما في ذلك في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والذكاء الاصطناعي، تتبنى الجزائر سياسات خارجية أكثر استقلالية تتقاطع أحيانًا مع المصالح الروسية والصينية. أما ليبيا، فتمثل ساحة نفوذ متعددة المستويات، تنخرط فيها قوى غربية وشرق أوسطية، مما يجعلها نقطة اختبار لتوازن القوى في جنوب المتوسط.
وبالرغم من هذا الزخم الجيوسياسي، تبقى هناك حدود واضحة لتأثير هذه العوامل على المدى البعيد، إذ تصطدم التوجهات الغربية بعقبات بنيوية تتعلق بانعدام الاستقرار السياسي المزمن في بعض دول المنطقة، وصعود الفواعل غير الدولتية، واستمرار أزمات التنمية والبطالة وضعف الحكم الرشيد. كما أن السياسات الغربية كثيرًا ما تُتهم بالازدواجية، حيث يُفضل الاستقرار على الديمقراطية، وتُغلب المصالح الاقتصادية على العدالة الاجتماعية، وهو ما يحدّ من شرعية تلك الاستراتيجيات أمام شعوب المنطقة، ويعزز من فرص تدخل قوى دولية بديلة أكثر مرونة.
وعليه، فإن التوجهات الاستراتيجية لكل من أوروبا والولايات المتحدة نحو الساحل الشمالي الإفريقي لا يمكن فهمها إلا من خلال عدسة مركبة، تنظر إلى تقاطع التنافس الجيوسياسي الدولي مع التفاعلات الإقليمية، وتضع في الاعتبار أن المستقبل الاستراتيجي للمنطقة سيتحدد بمدى قدرة الغرب على صياغة شراكات أكثر توازناً، تستند إلى المصالح المتبادلة، والاحترام المتبادل، والاندماج في ديناميات التنمية المستدامة، لا على منطق السيطرة والتبعية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ترمب يهدد إيران بعمل عسكري وطهران ترفض شروطه لإبرام اتفاق وت
.. أين تذهب مليارات الفيفا؟
.. الحكومة السورية تتسلم إدارة منطقة عين العرب كوباني ضمن الاتف
.. ترمب يعيد الخيار العسكري إلى الطاولة ويتوعد إيران بـ-عواقب و
.. حددت إيران مياهها مسارا بحريا آمنا.. الجزيرة ترصد من جزيرة ه