الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ما هي الديمقراطية الاستبدادية وهل ان العراق في خانتها ؟
محمد رضا عباس
2025 / 7 / 31مواضيع وابحاث سياسية
اول من تحدث عن موضوع " الديمقراطية الاستبدادية " هو الامريكي Steven Levitsky و الكندي Lucan A. Way في مقال لهما على مجلة السياسة الخارجية تحت عنوان " Competitive Authoritarianism ". الباحثان توصلا الى ان اغلب النظم السياسية العالمية التي جاءت بعد انهيار النظام السوفيتي , انما جاءت عن طريق الانتخابات , ولكن الرابح فيها , قمع المعارضة بشتى الاشكال , السيطرة على الاعلام , احتكر التعينات الحكومية الرفيعة لأنصاره , وحتى استخدام الموارد الحكومية لخدمة اغراضه. المختصون في موضوع الديمقراطية يضعون جمهورية تركيا على راس قائمة هذه النظم لتمثل حالة مثالية لفهم الاستبداد التنافسي او الديمقراطية الاستبدادية , حيث يعتبرون ان تفشي القمع ضد وسائل الاعلام والمجتمع المدني , تعزيز سيطرة اردوغان على القضاء وأجهزة الامن والجيش , وفي كل ذراع أخرى في تركيا ادواته على السيطرة على معارضيه . حتى ان سجن عمدة إسطنبول اكرم امام اوغلو في 23 اذار اعتبروه يشكل نهجا استبداديا ضد حزب كبير وهو حزب الشعب الجمهوري.
مثال اخر يعرضه المختصون بموضوع " الديمقراطية الاستبدادية" , هي دولة المجر تحت قيادة رئيس الوزراء فيكتور اوربان , حيث يقول باحثون ان اوربان استخدم تكتيكات مختلفة , بما في ذلك اتخام وكالات الدولة بالموالين ومهاجمة نماذج الاعمال الإعلامية . اوربان استهدف وسائل الاعلام والتي تعتمد بشكل كبير على إعلانات الدولة , حيث انه قطع جميع الإعلانات عن وسائل الاعلام المستقلة والمعارضة , مما أدى الى خلق مصاعب مالية كبيرة لها . اوربان أيضا استهدف الجامعات التي انتقدت حكومته ,وخلال عامين خفض اوربان ميزانيات الجامعات بنسبة 40%.
على ان هذا الامر لا يشمل فقط الديمقراطيات الحديثة , وانما شمل اقوى الديمقراطيات في العالم , الولايات المتحدة الامريكية تحت قيادة الرئيس ترامب الثانية . في الفترة الأولى لحكم الرئيس الأمريكي ترامب كانت الديمقراطية على قيد الحياة , وذلك بسبب قلة خبرة الرئيس , غياب الخطط , ونوع المجموعة السياسية من حوله , فيما كان اغلب النواب الجمهوريين متمسكون بالديمقراطية و وزراء من التكنوقراط الذين استطاعوا ان يضبطوا تحركات الرئيس.
هذه المرة , في الدورة الثانية , الرئيس ترامب اختار المولين له في إدارة البلاد , واستطاع على السيطرة على الحزب الجمهوري . النتيجة هو ان الغالبية العظمى من علماء السياسة في أمريكا يعتقدون ان البلد يسير " في الاتجاه الخاطئ".
ففي دراسة استقصائية أجريت على أكثر من 500 عالم سياسي من الولايات المتحدة الامريكية كشفت أن الغالبية العظمى تعتقد أن الولايات المتحدة تتحرك بسرعة من الديمقراطية الليبرالية نحو شكل من أشكال الاستبداد.
بعد انتخاب الرئيس ترامب في تشرين الثاني 2024 اعطى الباحثون الديمقراطية الامريكية 67% , وبعد أسابيع من تسلم الرئيس ترامب السلطة , كشف استبيان في شهر شباط 2025 انخفاض حاد في المؤشر فقد انخفض الى 55%. أستاذ موضوع الحكومة في احدى الجامعات المعرفة في أمريكا علق على الانخفاض على انه " هناك بالتأكيد اجماع نحن نسير في الاتجاه الخاطئ" . هذا وان العديد من علماء الديمقراطية يقولون ان إدارة ترامب تستخدم تكتيكات يستخدمها المستبدون و يعطون مثلا على ذلك هو ان لجنة الاتصالات الفيدرالية المعينة من قبله باستطاعتها سحب تراخيص البث المحلية , مما قد يؤدي الى اضرار بالشبكات ماليا . او حجب مليارات الدولارات عن الجامعات بما في ذلك جامعات هارفارد و برين ستون و كولومبيا , ومنع المحامين في الشركات التي لا يحبها من دخول المباني الحكومية مما يعرض مصالح شركاتهم الى ضياع فرص عقود حكومية. بل اصبح الامر ان الكثير من العلماء اصبحوا يخافون من الكشف عن أسماءهم وهم يتحدثون في وسائل الاعلام خوفا على مستقبلهم. بعض العلماء يعتقدون ان انزلاق النظام الأمريكي نحو " الاستبداد التنافسي" سيكون اكبر مستقبلا.
اذن , النظم الديمقراطية هي الأخرى قد تسيير نحو الاستبداد تجاه المعارضة اذا لم يحترم قادتها اللعبة الديمقراطية وتطبيق ما هم يعتقدون به حتى وان كانت ضد رغبة الناخبين .
هل ان النظام السياسي العراقي ضمن خانة الاستبداد الديمقراطي ؟ هل يستطع رئيس الوزراء على سبيل المثال حرمان وسائل الاعلام العراقية الغير رسمية من الإعلانات الحكومية والتي تشكل مصدر مالي كبير للصحف والمحطات التلفزيونية ؟ وهل يستطع رئيس الوزراء حصر الوظائف الحكومية بمؤيديه وحزبه او تكتله؟ وهل يستطع رئيس وزراء العراق من محاربة أعضاء حزب معين , شكل وفق قانون تشكيل الأحزاب؟ وهل يستطع رئيس الوزراء احتكار ميزانية الدولة على محافظة معينة دون أخرى ؟ وهل يستطع رئيس الوزراء تغيير الدستور وإعادة كتابته من جديد؟ رئيس الوزراء العراقي لا يستطع ذلك ؟
لماذا؟ لان في النظم الرئاسية بإمكان رئيس الدولة الانحراف تجاه "الاستبداد" والسبب هو سيطرة رجال حزبه على جميع مرافق الدولة , وهذا من الأمثلة التي قدمنها سواء في تركيا او المجر او الولايات المتحدة الامريكية . جميع هذه البلدان تقاد ليس عن طريق البرلمان وانما عن طريق رئاسة الجمهورية او رئاسة البلاد.
النظام في العراق نظام برلماني , أي ان رئيس الوزراء يتم اختياره من قبل الكتلة الأكبر في البرلمان والتي قد تتكون مجموعة من الأحزاب , وبذلك يصبح رئيس الوزراء مقيد في قراراته . من يوزع ميزانية الدولة على المحافظات ليس رئيس الوزراء وانما مجلس النواب . والتعيين للوظائف المدنية والعسكرية الرفيعة هو مجلس النواب . وان انحياز رئيس الوزراء نحو وكالة إعلامية دون غيرها سوف يصاحبه ثورة من المعترضين لا تطفا نارها الا شهور طويلة . واما إعادة كتابة الدستور العراقي , فان تغيير كتاب مقدس اسهل بكثير من تغيير الدستور العراقي . وهكذا , فان مع معايب النظام البرلماني , الا ان الاستبداد فيها من العادة اقل بكثير من الاستبداد في النظم الرئاسية .
وهل وصلت الديمقراطية في العراق الى مرحلة الكمال ؟ والجواب هو لا , حتى بعد مائة عام . الديمقراطية باخرة عملاقة تحتاج الى وقت طويل لتغيير مسارها , وهذا ما نلاحظه من متاعب داخلية لجميع الديمقراطيات العريقة في العالم . الديمقراطية تحتاج الى تغيير عقول , وان تغيير العقول يحتاج الى قرون عديدة . وطالما وان هناك حق وباطل , وصحيح وخطا , جديد وقديم , فان هذا الصراع يبقى بدون نهاية زمنية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إسرائيل تتجسس على الولايات المتحدة، لماذا القلق الأمريكي الآ
.. الحوثيون يدخلون على خط المواجهة مع إسرائيل، ماهي الرسائل؟
.. المواجهة تتسع: تبادل للضربات بين إسرائيل وإيران وتحذيرات من
.. الحوثيون يعلنون حظر الملاحة للسفن الإسرائيلية في البحر الأحم
.. تبادل للضربات بين إيران وإسرائيل والحوثيون يدخلون على الخط..