الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صراع المثقف مع القيود: بحثًا عن الهوية(12)
داود السلمان
2025 / 7 / 31قضايا ثقافية
لم يكن المثقف يومًا كائنًا مريحًا في حضن المجتمع أو السلطة، بل كان في جوهره كائنًا قلقًا، يعيش في توتر دائم بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. المثقف، بطبيعته، لا يكتفي بأن يكون ابن زمنه، بل يسعى إلى تجاوزه، إلى تفكيكه أحيانًا، وإعادة بنائه أحيانًا أخرى. من هنا، ينشأ الصراع الأبدي بين المثقف والقيود التي تحاول أن تُخضعه، سواء كانت قيودًا سياسية، دينية، اجتماعية، ثقافية، أو حتى ذاتية. فالمثقف الحقيقي لا يخضع بسهولة، ولا يقبل أن يكون صوتًا تابعًا، لأنه يسعى إلى امتلاك صوته الخاص، ذلك الصوت الذي لا يتشكل إلا عبر معاناة وجودية وفكرية طويلة.
القيود التي تحاصر المثقف ليست دائمًا خارجية فحسب، بل كثيرًا ما تكون داخلية؛ تنبع من ذاكرته، من تربيته، من الشعور بالذنب تجاه الانتماء، من الحنين إلى ما فقد، أو من الرغبة اللاواعية في الاعتراف. وهذا ما يجعل صراعه أكثر تعقيدًا، فهو لا يواجه فقط منظومة سياسية أو دينية أو اجتماعية ترفض أسئلته، بل يواجه نفسه أولًا، يواجه هشاشته، تناقضاته، وجراحه الفكرية والوجودية. فالبحث عن الهوية لا يتم في فراغ، بل داخل منطقة رمادية، يتداخل فيها الشخصي بالجماعي، والمحلي بالكوني، والتقليدي بالحداثي.
إن المثقف، في محاولته لفهم ذاته ومجتمعه، يكتشف أن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل سيرورة ديناميكية تتشكل مع كل تجربة فكرية جديدة، ومع كل مواجهة مع المختلف. ولذلك فإن صراعه مع القيود يصبح، في جوهره، صراعًا على تعريف الذات، على الحق في أن يكون ذاتًا مفكرة حرة لا نسخة مكرّرة من النموذج المفروض. من هنا كانت محنة المثقف العربي المعاصر مضاعفة، فهو يعيش في مجتمعات تنظر بعين الريبة إلى التفكير الحر، وتخشى الخروج عن النسق، وتعاقب المختلف، وفي الوقت ذاته، يواجه مثقفًا غربيًا يحاول أحيانًا احتكاره أو استيعابه ضمن نموذج ثقافي مهيمن.
المثقف في هذا السياق يقف دائمًا على الحافة، لا مندمجًا بالكامل ولا منفصلًا تمامًا. إنه في موقع الوسيط المزعج، المهدّد، والملعون أحيانًا، لأنه يعرّي التناقضات، ويفضح الزيف، ويطالب بالصدق الفكري في بيئة لا تحتمل الصراحة. القيود التي تُفرض عليه قد تأخذ شكل الرقابة أو التخوين أو الإقصاء، لكنها قد تأخذ أيضًا شكل الاستيعاب الناعم، حيث يُطلب منه أن يكون "نقديًا، ولكن ضمن الحدود"، أو أن يكون "حرًا، لكن مسؤولًا"، وهي عبارات تخفي وراءها سعيًا لتدجينه أو تذويبه في خطاب سلطوي ناعم.
في ظل هذا الصراع، يصبح البحث عن الهوية بالنسبة للمثقف عملاً أخلاقيًا بقدر ما هو فكري. الهوية، هنا، ليست بطاقة انتماء، بل موقف من العالم، من الحقيقة، من الحرية، من العدالة. ولذلك فإن المثقف لا يستطيع أن يكتفي بالتحليل أو التأويل، بل لا بد له من موقف، حتى وإن كلّفه هذا الموقف العزلة، النفي، أو السخرية. إن المثقف الذي لا يعاني من قيود محيطه، ولا يتألم بحثًا عن ذاته وهويته، هو في الغالب إما قد استقال من دوره، أو تواطأ مع السلطة، أو خضع لصوت الجماعة طلبًا للسلامة.
ولعل السؤال العميق الذي يطارد المثقف دائمًا هو: هل يمكن تحرير الفكر دون تحرير الذات؟ وهل يمكن للذات أن تكون حرة في مجتمع يقدّس الطاعة وينبذ الشك؟ هذا السؤال ليس مجرد تأمل نظري، بل هو صلب التجربة الوجودية للمثقف، خصوصًا حين يحاول أن يكون صادقًا مع نفسه، متحررًا من العمى الإيديولوجي، مستعدًا للوقوف وحده إن اقتضى الأمر. في هذا السياق، يصبح الصراع مع القيود اختبارًا حقيقيًا للهوية الفكرية، بل وللهوية الوجودية بمعناها الأوسع.
من هنا نفهم أن الهوية ليست ما نولد به، بل ما نبنيه رغم القيود، ما نكتبه كل يوم في مواجهة ما يُراد لنا أن نكونه. إنها مشروع مفتوح، لا يُنجز إلا بالصراع، ولا ينضج إلا بالأسئلة. والمثقف، في هذا كله، هو شاهد العصر، لا لأنه يملك كل الإجابات، بل لأنه يملك الشجاعة لطرح الأسئلة الأصعب، ولأنه لا يقبل أن يُجبر على الصمت، حتى وإن كان الصمت أكثر أمانًا.
إن صراع المثقف مع القيود لا ينتهي بانكسار أو انتصار، بل يظل حالة مستمرة، تُعاد صياغتها مع كل لحظة تاريخية جديدة، ومع كل تحوّل في البنية الاجتماعية أو الثقافية. ففي لحظات الانغلاق، يتضاعف الضغط عليه ليصمت أو ليعيد إنتاج الخطاب المهيمن، وفي لحظات الانفراج، يُطلب منه أن يكون شاهدًا وشريكًا في البناء، لكنه غالبًا ما يُستدعى كشكل لا كمضمون، كصوت مزخرف لا كضمير حي. وهذا ما يُفاقم غربته، ويُعمّق إحساسه بالفصام بين ما يؤمن به وما يُنتظر منه، بين الواقع كما هو، والممكن كما يجب أن يكون.
يُدرك المثقف، مع الوقت، أن الهوية ليست سلعة مغلّفة بشعارات جاهزة، بل هي مشروع قيد التشكل، ومحصّلة اشتباك دائم بين التاريخ والذات، بين الذاكرة والتجربة، بين الحنين والرفض. الهوية بالنسبة له لا تتجسّد في القومية الضيقة، ولا في الأصول الثابتة، بل في الانفتاح على الذات المتعددة، في القدرة على أن يكون ابن تاريخه دون أن يكون أسيره، وابن عصره دون أن يفقد جذوره. ولهذا فهو يقف دائمًا في مساحة المابين: بين السلطة والحرية، بين الجماعة والفرد، بين الموروث والمستقبل، بين الهوية والانفتاح. ولا يكتمل هذا الصراع دون التوقف عند مفهوم "المنفى"، سواء كمنفى مكاني أو رمزي. فالمثقف، حين يصر على البقاء صادقًا، كثيرًا ما يُنفى من بلده، أو من منابر الإعلام، أو من الذاكرة الجمعية ذاتها. وقد يُطرد حتى من ذاكرة أصدقائه وزملائه حين يصبح مزعجًا لدرجة تهدد توازن الخطاب السائد. فيعيش في منفى داخلي، لا يُرى ولكنه يُوجع. ومع ذلك، فإن هذا المنفى، بكل مراراته، يُشكّل لحظة ولادة جديدة. ففي العزلة، يولد التأمل؛ وفي الغربة، تنضج الرؤية؛ وفي الهامش، تتكوّن الصياغات الأكثر صدقًا وجذرية. فكما قال إدوارد سعيد: "المنفى ليس عقوبة بقدر ما هو فرصة للنظر من الخارج".
ويقول فرنسيس بيكون: "المعرفة قوة، والثقافة هي مجالها الأرحب". – من كتاب تقدّم المعرفة.
إن المثقف، وهو يخوض هذا الصراع، لا يبحث عن بطولة شخصية ولا عن امتيازات رمزية، بل عن معنى وجوده في عالم مرتبك، عن موقعه في سردية تتنازعه قوى متعددة، عن صدقه أمام نفسه. والمفارقة أن هذا البحث لا يُثمر إلا حين يعترف بالشك، ويستسلم لقلقه الخلاق، ويتخلى عن وهم الامتلاك المطلق للحقيقة. فالمثقف ليس نبيًا، ولا خطيبًا في ساحة عمومية، بل هو عقل نقدي يضيء ما يُراد له أن يبقى في الظل، ويراهن على العقل في زمن اللاعقل، ويكتب ضد السائد، لا من رغبة في الاختلاف، بل من وفاء للحقيقة. وبذلك، يصبح صراع المثقف مع القيود ليس مجرد مسألة حرية شخصية، بل قضية وجودية تمسّ الكينونة الجمعية. فكل مثقف حرّ يفتح نافذة للأمل، ويحرّر جزءًا من الفضاء العام، ويمنح اللغة قدرة جديدة على الكشف والتعبير. وكل موقف يتخذه ضد القمع، أو الجهل، أو النفاق، هو سهم يُطلقه في وجه الرداءة، حتى وإن لم يُصب هدفه في اللحظة الراهنة. فالتاريخ لا يُكتب بالنتائج الفورية، بل بالبذور التي تُزرع في لحظات المقاومة الصامتة، وفي الكلمات التي تُقال رغم الخوف، وفي الأسئلة التي تُطرح رغم الحصار.
والتالي، فإن المثقف لا يُقاس بعدد متابعيه، ولا بمساحة حضوره الإعلامي، بل بمدى صدقه مع ذاته، وجرأته على مساءلة العالم، وقدرته على الحفاظ على حريته الداخلية وسط الزحام. والهوية التي يبحث عنها ليست تلك التي تُمنح له من الخارج، بل تلك التي يصنعها كلما كتب، وفكر، وواجه، وصمت حين يجب أن يصمت، وتكلم حين صار الكلام فعلاً أخلاقيًا.
مراجع المقال:
1 . المجتمع المفتوح وأعداؤه – كارل بوبر، ترجمة فؤاد زكريا، عالم المعرفة (الكويت)، 1986.
2. إعادة النظر في الاستشراق – فريد هاليداي، ترجمة أحمد محمود، دار المستقبل العربي، 1994.
3. الثقافة والهيمنة – ريمون وليامز، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، 2002.
4. عصر الانقطاع الكبير – عبد الله إبراهيم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2015.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بـوتـيـن - شـي جـيـن بـيـنـغ: لـقـاء الـمـصـالـح؟
.. بين زيارتي بوتين وترامب إلى الصين.. ماذا قالت لغة الجسد؟ | #
.. رئيس الوزراء العراقي: الحكومة لن تتهاون مع أي فرد أو مجموعة
.. 5 سيناريوهات لمستقبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية..
.. انتقادات دولية لإسرائيل بعد نشر فيديو لمحتجزي أسطول الصمود..